الحزنُ تجربةٌ إنسانيةٌ متراكمة في الماضي بآلامه التي أصبحت تشارك الإنسان في حاضره، وتسيطر على جوارحه، فلا يستطيع الانفكاك منها؛ لأنها تعلّقت بمشاعره وأحاسيسه، وتمسّكت بمفاصل عقله حتى أصبح ضعيفًا أمام تجربة مُرّةٍ ظلت تسابقه في اختيار الزمن الذي تخرج عليه، وتطل منه.
الحزن مظلّةٌ كبرى لكل ألمٍ قد يصيب الإنسان، ويقلّل من عطائه، ويضعف قدراته، ويزيد هوانه إذا وجد الأرض الخصبة لنمو الأعشاب والطحالب الضارة التي تجد بيئة صالحة لمثل هذه الآلام والأحزان.
يقترن الحزن بالخوف الذي أسس له من خلال تجربة حزينة أو حدث سيء جعله يتوجس في نفسه ويخاف من أي أمر مستقبلي، ويرتبط الحزن بالماضي بتجاربه الأليمة، في حين يرتبط الخوف بالمستقبل، وبالتالي أصبح الإنسان بين ماضٍ حزينٍ وهلعٍ ورعبٍ من المستقبل، فأصبحت حياة الإنسان بين هذين المفهومين فيها من الضيق والتوجس الذي يشكل هاجسه وحياته. ومن ثمَّ، يجب على الإنسان أن لا يحزن على ماضٍ انتهى بتجاربه والآمه، ولم يبقَ سوى ذكرياته الأليمة، ولا على مستقبل لا يملك منه أي شيء، وإنما عليه أن يبذل جهده في يومه حتى يخرجه من حزنه وخوفه.
فالحزن والخوف إذا تشرّبا في سويداء الإنسان وتمكّنا منه ضعفت قدراته، وشُلّت عزيمته، وازداد هوانه وضعفه، فلا بد أن يكون لديه القدرة على التحدي ومواجهة الصعاب التي تؤسّس لوقت يغلب على طابعه الهم والحزن الذي يوجّه سلوك الإنسان، ويتراجع في قدراته وعزيمته التي تضعف؛ لسيطرة الحزن والخوف على مشاعره وأحاسيسه.
والأمل ضياءٌ يخرج الإنسان من ضيق النفس الذي يسايرها الخوف من مستقبل لا يعلمه أو ماضٍ ظل يسيطر على مشاعره وأحاسيسه حتى كبّلها، وضيّق عليه سعة الأفق والفضاء الكوني الذي يسبح فيه الإنسان بمشاعره، وتجاوز كل الصعاب والتحديات التي تواجهه بنفسٍ راضية مطمئنة، وقناعةٍ وإيمانٍ يملآن الفراغ الذي وجده الخوف والحزن ملاذًا لهما؛ ليحل محله التفاؤل والأمل والمدد من الله -سبحانه وتعالى- وتوفيقه للإنسان في هذه الحياة.
ولا يمكن للإنسان أن يواجه مفاهيم الخوف والحزن إلا برغبةٍ صادقة، وعزيمةٍ جامحة، وتطلّعٍ للأفضل، وتجاوزٍ للماضي بآلامه، نحو مستقبل يملؤه التفاؤل وحسن الظن بالله، والانتقال من أقصى اليسار الذي يسيطر عليه مفاهيم الحزن إلى أقصى اليمين المليء بالأمل والتفاؤل، والقدرة على إحداث التغيير بعزيمة صادقة، ونفسٍ راضية، وهمّةٍ عالية تساير همّة العظماء الذين استطاعوا التغيير في المواقف والنجاح في الحياة.
الأمل نورٌ وضياءٌ يساير الإنسان في حياته، ويوجهه لتجاوز مفاهيم سلبية تكبّله عن إنجازاته في الحياة، ويكون مكبّلًا بها لا يستطيع الانفكاك منها إلا برجاء وأمل في الله -سبحانه وتعالى- أن يعينه ليخرج من دوائر ضيقة تحجب عنه نور الأمل والتفاؤل. فالنجاح حقيقته الأمل، ووقوده التفاؤل، وعموده السعي والصبر على المكاره.
نعشق الأمل لنوره، فهو نبراس الحياة وطاقتها، الذي يلهم الإنسان بالاستمرار في السعي بهمّةٍ وطاقةٍ لا تنفذ، وعزيمة لا تخور من أجل تحقيق النجاح في الحياة التي تتطلب مضاعفة الجهد وصناعة التميز من خلال أملٍ جميل، وحلمٍ قريب، وعينٍ تسهر على ذلك، ونفسٍ ألِفَت التميز والنجاح.
فالشاعر يصف أثر الأمل على النفس التي يسامرها ويتحاور معها بأن سعة العيش تكون معه، وطيب المقام قرينه، وهذا الأمل هو سراج لكل متفائل، ونورٌ لكل من علّق أمله بالله، ثم سعى في مناكبها لم يعجزه أو يصيبه الهوان، وهو يرى الأمل حاضرًا في ناظريه وبين يديه، حتى يتحقق له كل جميل؛ إذ يقول:
أعلِّلُ النفسَ بالآمالِ أرقُبُها ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ
فالأمل وجهةٌ إنسانية لكل من أراد الخروج من هوان النفس وأحزانها وتوجس الخوف وآلامه، واستطاع أن يصنع لذاته أملًا يعشقه ويزيد من قوته وطاقته في مواجهة تلك المفاهيم السلبية التي تعشق وتجد ضالتها في كل نفسٍ اهتزّت الثقة بداخلها واعتصرها الألم، ودبّ فيها الضعف، وعاشت صريعة في مهاوي الردى بين خوفٍ وحزنٍ وشعورٍ بالانهزامية التي تجعل الإنسانَ في صدامٍ وصراع بين تلك المفاهيم التي لا يخرج منها الإنسان إلا بأملٍ؛ نورُه مشرق، وضياؤه بَيِّنٍ يقوده نحو صناعة الإنجاز والتميز.
• عضو هيئة التدريس بجامعة شقراء






