المقالات

نُورٌ مِنَ الْمَدِينَةِ يُضِيءُ الْعَالَمَ

يُحكى أنَّ فتىً كان يسير ليلًا في طريقٍ موحشة يلفُّها السكون، وقد أرخى الليلُ سدولَه حتى غابت معالم الطريق، وفجأة يرى أضواءً تظهر حينًا وتخبو حينًا، وكلما تقدَّم لمح من بعيدٍ أُناسًا يتبعون تلك الأضواء؛ فمنهم من يطيل النظر إلى ضوءٍ عابرٍ لا يستقر، ومنهم من يركض خلف نورٍ، كلما اقترب منه ابتعد ذلك النور، وآخرون يحملون شعلةً يلفّها دخانٌ كثيفٌ قليلُ الضياء.

ورغم كثرةِ تلك الأنوار وتفاوتِ بريقها، فإنها لم تُبدِّدْ ظلامَ الطريق ووحشتَه، ولم تهدِ السائرين فيه إلى غايةٍ مطمئنة.

واستمرَّ الفتى في السيرِ في ذلك الطريقِ المظلمِ الموحشِ، وقد أثقلته الحيرةُ، حتى لاح له في أقصى الطريق نورٌ ثابتٌ متوهّج، لا يخبو ولا ينطفئ، يحمله شيخٌ وقور، يسير في سكينةٍ وهيبةٍ ووقار؛ فلفت انتباهَ الفتى اختلافُ ذلك النور عن سائر ما رآه، فاقترب منه ثم قال:
يا شيخ، «ما هذا النور الذي يشقُّ الظلام ولا ينطفئ؟!»
فابتسم الشيخ، ثم قال:
«إنه نورُ اللغةِ العربية، إذا سكنَ قلبَ إنسانٍ أضاءَ عمره كلَّه، فهي لغةٌ إذا مرّتْ على الروح أحيتها، وإذا جرتْ على اللسان أكسبته مهابةَ البيان وجلالَ الخلود».

مضى الفتى يتتبع ذلك النور ويسير نحوه، حتى انتهى به السير إلى المدينة المنورة، فإذا بالنور يسطع أمامه من رحاب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، يمتد من قلبها ويغمر ما حولها إشراقًا وهدًى، وكلما دنا من ذلك المكان ازداد الضوء بهاءً واتساعًا، حتى أيقن أن لهذا النور منبعًا لا يشبه سائر المنابع، فتابعَ السير حتى بلغ موضع النور، فإذا به يسطع من كليةِ اللغة العربية.

فوقف الفتى مبهورًا بذلك النور الساطع، وقد امتلأ قلبه طمأنينةً وشوقًا وسرورًا لذلك المشهد الجذَّاب الذي رآه، ثم أخذ يتأمل طويلًا هذا النور الذي يخرج منها، متشوقًا إلى دخولها، ومعرفة ما وراء هذا النور، ثم دخلها مسرورًا، وقد ازداد قلبه شوقًا وهيامًا، وانفتح له بابُ الأمل في معرفة أسرار العربية وعلومها، وجمال بلاغتها وبيانها.

وفي رحاب هذه الكلية العريقة وجد الفتى بيئةً علميةً زاخرةً بالعلم والبيان، تتلاقى فيها العقول، وتتجدد فيها معارف العربية، فاستقبله أهلُها بالترحيب، ووجد فيها ما يطمئن قلبه، ويزيد يقينه، بأن هذا النور الذي تبعه لم يكن إلا نورَ علمٍ، وهدايةٍ، وبناء.

وتأمل الفتى ما تقدمه الكلية من علومٍ في اللغة وآدابها، وما تقوم عليه من رعايةٍ للتراث، وانفتاحٍ على مناهج البحث الحديثة، وكيف تُعنى بطلابها عنايةً تصنع منهم حملةَ بيانٍ وروّادَ معرفة، فازداد إعجابًا بما رأى، وشعر أنه قد وصل إلى موضعٍ بحث عنه سنواتٍ طويلة.

وهكذا استقر الفتى في رحابها، وقد تبدّل حاله من حيرةٍ في الطريق إلى يقينٍ في المعنى، ومن بحثٍ عن نورٍ متفرق إلى نورٍ واحدٍ يجمعه العلمُ والبيان، ويقوده إلى آفاقٍ أرحب من الفهم والمعرفة.

وقد امتدَّ أثرُ هذه الكلية المباركة إلى آفاقٍ واسعةٍ من العالم، فغدت منارةً علميةً تُخرِّجُ طلابًا من شتى أنحاء العالم، يعودون إلى بلدانهم وقد حملوا العربية علمًا ولسانًا ورسالةً.

وأسهمت هذه الكلية في نشر الدراسات اللغوية والبحثية الرصينة، وتطوير تعليم العربية للناطقين بغيرها، وربط التراث اللغوي بالمنهجيات الحديثة، حتى أصبح لها حضورٌ علميٌّ مؤثرٌ في الجامعات والمراكز البحثية حول العالم.

كما كان لها دورٌ بارزٌ في خدمة العربية ونشرها، وتعزيز مكانتها في ميادين العلم والمعرفة، فصارت مثالًا للمؤسسات التي تجمع بين الأصالة والانفتاح، وتربط الهوية بالعلم، واللغة بالإنسان، وظلّ نورُها ممتدًّا من المدينة إلى العالم، شاهدًا على رسالةٍ علميةٍ ساميةٍ تُضيء العقول وتبني الأجيال.

وتسير الكلية في رسالتها العلمية والمعرفية منسجمةً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، من خلال تعزيز جودة التعليم، وتنمية البحث العلمي، وبناء الشراكات المعرفية، وتمكين اللغة العربية بوصفها مكوِّنًا أصيلًا من الهوية الوطنية والثقافية للمملكة، وقد تجلّى ذلك في تطوير البرامج الأكاديمية، وتوسيع مجالات البحث، والانفتاح على التقنيات الحديثة، بما يعزز حضور العربية في ميادين المعرفة العالمية.

وتجلّى أثرُ الكلية في خدمة المجتمع وبناء الشراكات الثقافية والمعرفية، فغدت إحدى الواجهات المشرقة للجامعة الإسلامية، تؤدي دورًا حضاريًا يسمو بالتعليم إلى صناعة الفكر وتنمية الوعي، وتعزيز حضور العربية في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الثقافية والمعرفية.

وهكذا ظلّت كليةُ اللغة العربية بالمدينة النبوية منارةً تُحيي في النفوس جمالَ العربية، وتحمل إلى الأجيال رسالةَ البيان، وتغرس في النفوس أن هذه اللغة روحُ أمةٍ، ولسانُ حضارةٍ، ونورٌ يمتد أثره ما امتد في الأرض صوتُ العلم والمعرفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى