
، لم يعد الإعلام مجرد مرآة تعكس الواقع، بل أصبح جزءًا من عملية تشكيله وصياغته. ومن هذه الزاوية تنطلق رؤية منتدى الإعلام 2026 تحت شعار «الإعلام في عالم يتشكل»، بوصفها قراءة استشرافية لدور الإعلام في زمن التحولات التقنية والاقتصادية والإنسانية المتسارعة.
الرؤية المعلنة لا تتعامل مع الإعلام كقطاع تقليدي قائم على نقل الأخبار، بل تضعه في قلب معادلة التغيير، باعتباره قوة ناعمة مؤثرة في بناء الوعي وصناعة القرار وتوجيه الرأي العام. وهي رؤية تعكس انتقال المنتدى من مرحلة توصيف الواقع إلى مرحلة التفكير في إعادة بنائه على أسس جديدة أكثر استدامة واحترافية، في وقت يشهد فيه العالم اضطرابًا معلوماتيًا غير مسبوق وتنافسًا حادًا على امتلاك الرواية وصناعة التأثير.
وتؤكد الرؤية أن الإعلام اليوم يعيش مرحلة «إعادة تشكّل عميقة»، وهي عبارة تختصر واقعًا معقدًا يمر به القطاع عالميًا، حيث أدت الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وصعود منصات التواصل الاجتماعي، إلى تغيير جذري في طريقة إنتاج المحتوى واستهلاكه، وأعادت تعريف العلاقة بين الإعلامي والجمهور، وبين الخبر والمنصة، وبين الحقيقة وسرعة التداول.
هذا التشخيص يعكس إدراكًا بأن الأزمة التي يمر بها الإعلام ليست تقنية فقط، بل هي أزمة هوية وثقة ونماذج عمل، ولم تعد المؤسسات الإعلامية تواجه تحدي السرعة فحسب، بل تواجه أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بالمصداقية، وأخلاقيات المهنة، والاستقلالية، ودورها في مواجهة التضليل والشائعات وحروب المعلومات وصناعة الرأي العام الموجه.
وترتكز رؤية المنتدى على ثلاث دوائر من التحولات المتداخلة: تقنية، واقتصادية، وإنسانية. فالتحولات التقنية تشير إلى انتقال الإعلام من الورق والبث التقليدي إلى عالم المنصات الرقمية والخوارزميات وصحافة البيانات والذكاء الاصطناعي، وهو انتقال يفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة هيكلة أدواتها ومهارات كوادرها بما يتلاءم مع متطلبات العصر الرقمي.
أما التحولات الاقتصادية، فتتمثل في الانتقال من الاعتماد على الإعلان التقليدي إلى بناء اقتصاد إعلامي قائم على الابتكار والاستدامة، وتحويل المحتوى إلى قيمة اقتصادية مضافة تسهم في النمو الوطني وتدعم صناعة التأثير، وتعيد تعريف الإعلام بوصفه قطاعًا اقتصاديًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن بقية القطاعات الحيوية.
وفي البعد الإنساني، تبرز مسؤولية الإعلام في حماية القيم والهوية الثقافية، وتعزيز الوعي المجتمعي، وضبط إيقاع العلاقة بين التقنية والإنسان، بحيث لا يتحول الإعلام إلى أداة استهلاك سطحي أو منصة للانفعال، بل إلى وسيلة بناء معرفي وثقافي تسهم في ترسيخ الاستقرار الفكري والاجتماعي.
وتعكس محاور المنتدى الرئيسة وعيًا بالسياق العالمي المتغير، من خلال التركيز على التحديات الدولية للإعلام وسبل مواجهتها، والاستدامة الرقمية، واقتصاد الإعلام الداعم للنمو، ومستقبل الإعلام وتنمية المواهب. وهي محاور تشير إلى أن المنتدى لا يكتفي برصد المشكلات، بل يسعى إلى صياغة حلول عملية ونماذج تشغيل جديدة تواكب التحول الرقمي وتستجيب لمتطلبات السوق الإعلامية الحديثة.
اللافت في رؤية منتدى الإعلام 2026 أنها لا تنحاز للتقنية بوصفها غاية نهائية، بل تقدمها كوسيلة ضمن مشروع أكبر لصناعة إعلام مسؤول ومتوازن، يجمع بين التحديث التقني والحفاظ على البعد الأخلاقي والإنساني للمهنة، ويؤسس لمحتوى يحترم عقل المتلقي ويعزز ثقته، بدل أن يغرقه في الفوضى الرقمية والضجيج المعلوماتي.
كما تعكس الرؤية انتقال الإعلام السعودي من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة المبادرة وصناعة النموذج، عبر بناء منصات للحوار الدولي، وتقديم تجربة إعلامية تعكس مكانة المملكة الإقليمية والدولية، وتنسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء اقتصاد معرفي وصناعة محتوى تنافسي عالميًا.
وفي عالم يتشكل كل يوم بصورة جديدة، يصبح الإعلام القادر على الفهم والتحليل والبناء هو وحده القادر على البقاء والتأثير. ومن هنا، فإن رؤية منتدى الإعلام 2026 تمثل دعوة مفتوحة لإعلام أكثر وعيًا، وأكثر مهنية، وأكثر قدرة على صناعة المعنى في زمن التحولات الكبرى، بحيث لا يكون شاهدًا على المستقبل فقط، بل شريكًا في صناعته.






