
الحلقة الثانية
من أرشيف الوثائق الأميركية : التزام السعودية بعودة كامل الأراضي العربية لم ينتهِ بانتصار أكتوبر
هيثم محمد
انتهج الملك فيصل بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ سياسة تجلَّت خلالها أبرز سمات الملك كحالة عربية فريدة تجسد خُلُق الزعامة المنطلقة من ثوابت ومبادئ إسلامية ووطنية سواء على المستوى الدولي أو المحلي ؛ لقد كان صاحب رؤيا ومشروع لأمته وشعبه , و برع في استثمار سماته الشخصية سياسياً ودبلوماسياً , ومهما اختلفت حوله الآراء لكن لا تملك إلا أن تحترمه وتقدِّره , وقد آل على نفسه خوض جولات من الصراع الدبلوماسي والسياسي استطاع ببراعته أن يجنب بلاده الصدام مع العملاق الأميركي ويفرض عليها التعامل مع المملكة بنديِّة وتقدير تَبَدَّى في الوثائق الرسمية ومنها تلك التي أفرجت عنها دار الوثائق الوطنية بواشنطن والتي تعود إلى فترة إدارة الرئيس نيكسون .
لقد شاءت الأقدار أن يتولى الملك فيصل الحكم في وقت تتغول فيه الشيوعية وتتمدد بنفوذها في المنطقة فوقف لها بالمرصاد وعلى جبهة أخرى كانت إسرائيل تتوسع إستعمارياً بقضم المزيد من الأراضي العربية فوزع الملك جهاده على عدة جبهات في تقدير متوازن للقوة العربية والمتاح من هامش المناورة السياسية , خاطب الولايات المتحدة باللغة التي تعرفها وليست التي تريد الاستماع إليها ؟! التقت المصالح واختلفت الأهداف وفي كل مرة كان الملك يجيد قراءة الواقع و كان أكثر قدرة وبراعة في توصيل الرسالة دون خلق عداوات جديدة تأزم المشهد أكثر مما يحتمل ؟
و لن تنسى الأمة ولا التاريخ وقفة الملك فيصل بعد هزيمة 1967م و التي لم تنته بعد انتصارات أكتوبر المجيدة , بل امتد جهاده لتحرير الأراضي العربية وفي مقدمتها فلسطين , كان الحِمْل الذي أخذه على عاتقه تنوء به الجبال ولكنه صمد وصبر يحدوه الأمل في غد مشرق تعلو فيه الكرامة والعزة جباه شعوب لا تريد غير الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية ! شعوب تطالب بأبسط حقوقها وهو خلاصها من الاستعمار ونيل حريتها في تقرير مصيرها بنفسها .
هذه الرحلة الطويلة من العطاء كان لا بد لها أن تُختتم بالشهادة فكانت حسن الخاتمة لتتوج مسيرة ذاخرة بعطاء و حافلة بالتضحية و لا تزال ذكراها العطرة تعيش في وجدان وقلوب العرب والمسلمين .
و في ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة نسوق بعض من مواقف فيصل حتى لا تنسى الأجيال الجديدة جهاد الآباء وتضحياتهم ومواقفهم النبيلة والشجاعة لحماية الأوطان وصوْن العرض وشرف الأمة في خِضَم ملحمة الصراع التاريخي والممتد بين العرب وإسرائيل ومسلسل التنازل والتسابق المحموم على تصفية القضية الفلسطينية .
ومن واقع أرشيف دار الوثائق الوطنية بواشنطن نشرت وثائق تعود إلى فترة إدارة الرئيس نيكسون (1968م ـ 1974 م) تظهر لنا بعيون الأميركيان كيف وقف الملك فيصل في كثير من الأحيان بمفرده ليدافع عن قضايا العرب والمسلمين وكيف فرض على الولايات المتحدة التعامل معه باحترام كشريك هام وليس تابع مأمور , بل إن وثائقهم التي لا تجامل ولا تنافق تؤكد أن الملك فيصل كان صاحب رؤيا صائبة لمجريات الأحداث وما قد تنتهي إليه لذا احترمت الإدارة الأميركية مواقفه بالرغم من اختلافها معها وانعكاسها بالسلب على صورتها أمام العالم وشعبها ومنها طبعاً قراره الشجاع بحظر النفط عن أميركا والدول المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ولنبحر مع الوثائق الأميركية التي رفعت عنها السريِّة
- الملك فيصل يمارس ضغوطاً على الولايات المتحدة لتضغط بدورها على اسرائيل لتنسحب من كل الاراضي العربية المحتلة
لقد اجتمع الملك فيصل مع جونقارز، مدير شركة ” أرامكو ” وحذره من عدم تغيير الولايات المتحدة سياستها المنحازة لإسرائيل في المنطقة وأرسل من خلاله رسالة واضحة وقوية لحكومة نيكسون في ذلك الوقت فكانت من تبعاتها تلك الردود التي تكشفها الوثائق التالية :
* التاريخ : 9-5-1973* من : وزير الخارجية روجرز
* إلى : السفير في جدة * الموضوع : تحذير الملك فيصل
يجب أن تبلغوا وزير الخارجية السقاف ليبلغ الملك فيصل أنكم أبلغتمونا بما دار بين الملك فيصل وجونقارز، مدير شركة ” أرامكو ” وبحضوركم. ويجب أن تؤكدوا للملك بأن ما قاله للمدير جونقارز يدرس في عناية كبيرة ، وعلى اعلى المستويات في حكومتنا .
* التاريخ : 30-5-1973
* من : جوزيف سيسكو، مساعد الوزير للشرق الادنى
* إلى : وزير الخارجية روجرز (قبل كيسنجر )
*الموضوع : اجتماع الملك فيصل مع مسئولي أرامكو
ـ زارني اليوم في مكتبي كبار المسئولين في شركة ” أرامكو ” ، وعلى رأسهم هنري موزز، نائب رئيس شركة ” موبيل أويل ” وتحدثوا عن اجتماع الملك فيصل بهم في جنيف، في الأسبوع الماضي. وتحذيره لهم بأن تُغيِّر الولايات المتحدة سياستها في الشرق الاوسط وقالوا أن الحكومة الأميركية يجب أن تدرس هذا التحذير دراسة جادة
ـ بالاضافة الى مسؤول شركة ” موبيل اويل ” ، ضم الوفد مسئولين كباراً في شركات “تكساكو ” و ” اسو ” و ” ستأندارد اويل ” و ” أرامكو : نفسها .
*التاريخ : 3-9-1973م
* من : فرانسوا ديكمان، قسم الجزيرة العربية ، الخارجية
* إلى : الوزير* الموضوع : الفيتو الأميركي
ـ خلال اجتماع قال ابراهيم السويل ، سفير السعودية، أنه عاد قريبا من السعودية ، بعد أن حضر اجتماعا للملك فيصل مع سفراء السعودية في الخارج. وقال أن الملك كان غاضباً جداً من السياسة الاميركية في الشرق الاوسط و وصفها بأنها سلبية
ـ وقال أن استمرارها سيؤثر على العلاقات بين البلدين وقال السويل أنه لم يتسلم رد فعل من السعودية على الفيتو الذي استعمله سفيرنا في الامم المتحدة. لكنه متأكد بأن الفيتو سيغضب الملك فيصل .
- الملك فيصل يخوض جولات من الصراع الدبلوماسي والسياسي ومنها هذا اللقاء مع أهم رجل تولى الخارجية الأميركية وملف الشرق الأوسط وتتكشف خلاله أبعاد شخصية فيصل الزعيم ورجل الدولة والدبلوماسي الذي يملك رؤيا ويقدر على إقناع الآخرين بها
* التاريخ : 8 ـ 11 ـ 1973م * التوقيت : 8:45 ـ 10.25 مساءً
* الموضوع : مذكرة محادثات
* المشتركون من الجأنب السعودي:
الملك فيصل بن عبد العزيز ، ملك المملكة العربية السعودية ، الأمير فهد بن عبد العزيز ، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية ، عمر السقاف ، وزير الدولة للشؤون الخارجية ، د. رشاد فرعون ، مستشار ملكي، الشيخ ابراهيم السويل، سفير السعودية لدى الولايات المتحدة.
* المشتركون من الجانب الأميركي:
د. هنري كيسنجر، وزير الخارجية، جوزيف سيسكو، مساعد وزير الخارجية للشرق الأدنى، جيمس اكينز ، سفير الولايات المتحدة لدى السعودية بيتر رودمأن ، من مجلس الامن القومي ، البيت الأبيض ، عيسى الصباغ ، سكرتير أول ، السفارة الاميركية في بيروت (مترجم)،
* المكان : القصر الملكي ، الرياض ، المملكة العربية السعودية
ـ في بداية الإجتماع قُدِّم أعضاء الوفد الاميركي إلى الملك. ثم أُلتقطت صور. وبعد خروج المصورين ، دخل رجال الضيافة ، وقدموا أكواب قهوة مخلوطة بالهيل
ـ الملك : أتمنى أن رحلتكم كانت مريحة.
ـ كيسنجر: نعم ، يا صاحب الجلالة. كانت رحلتي طيبة جداً ، وأتمنى أن تساهم في تحقيق السلام في الشرق الاوسط.
ـ الملك : نحن أيضا نتمنى ذلك , نتمنى أن تقود الى السلام.
ـ كيسنجر : اطلعت على بعض أرائكم عن السلام في الشرق الأوسط يا صاحب الجلالة. وأتمنى أن تكون عندكم ملاحظات اخرى لأنقلها الى الرئيس نيكسون.
ـ الملك : طبعا ، كل أملنا هو أن يعم السلام والاستقرار في الشرق الاوسط وتعرف سعادتكم آرائي في هذا الموضوع وهي باختصار كالآتي : لن يكون هناك سلام واستقرار اذا لم تنسحب اسرائيل من الاراضي المحتلة ، وإذا لم يعد الفلسطينيون الى وطنهم. ولهذا ، نحن نتمنى أن يتحقق ذلك بأسرع فرصة ممكنة ونتمنى أن يُسمح للعرب بأن يعودوا الى علاقة الصداقة مع أصدقائهم الأميركيين. ونتمنى أن يقود هذا السلام وهذه الصداقة ، تلقائيا ، الى تخفيض النفوذ الشيوعي في المنطقة.
ـ كيسنجر: هل يسمح لى صاحب الجلالة أن أشرح ما حققناه خلال هذه الجولة ، وما نريد أن يتحقق ؟
ـ الملك: كما تريد سعادتكم.
ـ كيسنجر: في وضوح ، أتذكر زيارتكم الى الولايات المتحدة ، عندما شرحتم لرئيسنا بعض الأخطار التي ترونها في الوضع. وتحققت كثيراً من نبوءات جلالتكم. أعتقد أنه من المفيد أن أشرح لجلالتكم آراءنا . وإذا اختلفتم معنا في بعض التفاصيل ، نتمنى أن تفهموا موقفنا. وربما تعارضوننا اذا أخطأنا .
ـ الملك: تفضَّل.
ـ كيسنجر: ما بين سنتي 1967 و1973م ؛ يا صاحب الجلالة ، لم تنجح الولايات المتحدة في تحقيق شيء حاسم لحل مشاكل الشرق الاوسط . خلال السنتين الأخيرتين بذل روجرز، وزير الخارجية قبلي ، ومساعده سيسكو ، جهوداً لكنها لم تكن مدعومة بكل القوة والنظام الاميركي . لم يكن هذا ذنبهما. وذلك لأننا ، يا صاحب الجلالة ، كنا حتى السنة الحالية مهتمين بالحرب في فيتنام . وأيضا ، كنا نعرف صعوبة مواجهة العاصفة الداخلية (يقصد اللوبي اليهودي ).
والآن ، بعد نهاية الحرب في فيتنام ، يا صاحب الجلالة ، أمرني الرئيس نيكسون أن أحول اهتمامي الى الشرق الاوسط ويجب أن أقول يا صاحب الجلالة ، أنه أمرني بذلك قبل بداية الحرب (حرب اكتوبر سنة 1973م ) كان ذلك في نهاية أغسطس وبداية سبتمبر.
في نهاية سبتمبر في نيويورك ، عندما قابلت وزير خارجيتكم ، قلت له أننا سنبدأ ، في نهاية نوفمبر، حملة كبيرة لتحقيق السلام في الشرق الاوسط وناقشنا كيف نستطيع أن نتعاون مع العرب في هذا الموضوع ولكن ، في أكتوبر بدأت الحرب.
خلقت لنا الحرب ، يا صاحب الجلالة ، مشكلة معينة. أعرف أن بعض قراراتنا أحرجت بعض اصدقائنا القدامى ورغم أنكم ربما لن تتفقوا معنا ، ربما أقدر على أن أشرح لكم لماذا فعلنا ما فعلنا. (يقصد ، بصورة خاصة ، شحنات الاسلحة الاميركية الضخمة الى اسرائيل خلال الحرب).
منذ أول يوم للحرب ، تأكدت لنا أهمية تحقيق السلام وسيؤكد لكم الرئيس السادات ، يا صاحب الجلالة ، أننا تبادلنا الرسائل معه منذ أول يوم. حتى خلال أسوأ الأيام عندما فعلنا أشياء مؤذية جداً لمصر (يقصد ارسال الأسلحة إلى اسرائيل). وقلنا للرئيس السادات ما أقوله الآن لجلالتكم ، وهو أننا عندما تنتهي الحرب ، سنبذل كل نفوذنا لتحقيق السلام ، بصرف النظر عما كنا نفعل خلال الحرب (يقصد إرسال الاسلحة الى اسرائيل ) .
كان هدفنا خلال الحرب ، يا صاحب الجلالة ، هو منع انتشار النفوذ الشيوعي في المنطقة. وعندما أرسل الاتحاد السوفيتي كميات كبيرة من الاسلحة الى المنطقة (مصر وسورية) ، قررنا أن نرد على ذلك. أعرف أن جلالتكم لا يتفق معنا في هذه النقطة لكننا نتمنى أن يفهم جلالتكم دوافعنا خلال الاسبوعين الاولين للحرب.
على أي حال ، الآن انتهت الحرب. وقمنا نحن بدور رئيسي في وقف اطلاق النار ، رغم أن الاسرائيليين كانوا يريدون استمرار القتال. وقمنا بدور رئيسي ، بل دور حاسم ، في ارسال امدادات الى الجيش المصري الثالث. (خلال الايام الاولى للحرب ، عبر الجيشان الثاني والثالث المصريان شرق قناة السويس ، واستردا جزءاً من سيناء لكن ، خلال الأيام الاخيرة للحرب ، عَبَرت قوات اسرائيلية قناة السويس غربا. وتقدمت نحو القاهرة. وحجزت الجيش الثالث شرق قناة السويس. وقطعت عنه الامدادات .
أمس عندما قابلت الرئيس السادات ، اتفقنا على وقف اطلاق النار. والآن ، وافقت اسرائيل على ذلك ، بعد ضغوط قوية. ولهذا ، صارت بداية مفاوضات السلام ممكنة. وإذا وافق جلالتكم ، سنعطي وزير خارجيتكم نسخة من اتفاقية وقف اطلاق النار والتي ستعلن مساء غد.
ـ الملك : يهز رأسه موافقا ؛ أنا ممتن لسعادتكم لهذه الشروح والتوضيحات. وأود أن أشير الى حقيقة ، تعرفونها ، وهو أنني شرحت مرات كثيرة للرئيس نيكسون ، ولوزير خارجيته (السابق) روجرز، الضرورة الملحة للولايات المتحدة لتضغط على اسرائيل لتنسحب من الأراضي المحتلة. فعلت ذلك وأنا قلق على الانفجار (الحرب) الذي كان لا بد منه ، والذي توقعته.
ـ كيسنجر: تأكد لنا أن جلالتكم كنت صائباً في ذلك.
ـ الملك : أنت تعرف أن الشيوعيين يريدون أن يستمر الوضع مثلما هو الآن ليجدوا مجالاً خصباً للتدخل أكثر في المنطقة ونحن نعرف أن الولايات المتحدة ، خلال تاريخها ، وقفت دائماً ضد المعتدي. وأنت تعرف في وضوح تفاصيل الحرب الاخيرة )الحرب العالمية الثانية( بسببها ، هربت عائلة كيسنجر اليهودية من ألمانيا الى اميركا . في ذلك الوقت ، عندما طمعت ألمانيا النازية في أراضي دول مجاورة ، وغزت بولندا وتشيكوسلوفاكيا ، اعترضت الولايات المتحدة بدون أي تردد. وفي سنة 1956م , لم تتردد الولايات المتحدة في معارضة التحالف بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ، عندما اشتركوا في الاعتداء على مصر.
لهذا ، في سنة 1967م , عندما اعتدت اسرائيل على مصر وسورية والأردن ، كان يجب على الولايات المتحدة ألا تكتفي فقط بوقف العدوان الاسرائيلي. كان يجب عليها ، أيضا أن تضغط ، في الحال ، على اسرائيل لتعود الى حدود 4 يونيو. لو فعلت ذلك ، لما حدثت التطورات الاخيرة ( حرب اكتوبر )
أنا أتحدث بصراحة ، وكصديق . يحزنني ، بل ويؤذيني ، أن أعلن قرارات مثل قرار وقف تصدير النفط تؤدي الى شيئين ؛ اولاً : تسبب خللاً في علاقاتنا. وثانيا: تؤذي صداقتنا.
لكن المشكلة هي أن حرب سنة 1967 م أعطت الشيوعيين فرصة لزيادة نفوذهم في الشرق الاوسط. ماذا فعلوا ؟ نشروا اشاعات أن السعودية تتعاون مع اسرائيل ! لا يتوقف الشيوعيون عن خلق مشاكل لنا ، لأنهم يعرفون أننا أكبر حاجز امام نشر مخططاتهم في هذه المنطقة.
ـ كيسنجر: اتفق مع جلالتكم في أهداف الشيوعيين السياسية والأمنية هذه.
ـ الملك: لسوء الحظ ، تعمل اسرائيل لتحقيق هذه الاهداف الشيوعية. ولهذا أقول وأكرر أن اسرائيل يجب أن تنسحب من الاراضي المحتلة. ويجب أن تسمح بعودة الذين تركوا ديارهم. بدون تحقيق هاتين الخطوتين ، لن يكن هناك سلام في المنطقة.
ـ الوزير السقاف: أود أن اشير الى أن هناك من يعتقد أن صاحب الجلالة لا يهتم بموضوع القدس. لكن، طبعا، هذا غير صحيح.
ـ الملك: لسوء الحظ ، يوجد وسط الذين يعتنقون الدين اليهودي من يؤيد الصهيونية. وسيسبب هذا أضراراً للشعب اليهودي. قبل تأسيس إسرائيل لم يوجد ما يعرقل العلاقات بين العرب واليهود. ولم يكن هناك سبب يدعو العرب لمقاومة اليهود. وكان هناك يهود كثيرون يعيشون في دول عربية ، وكنا نسميهم ” اليهود العرب ” وقبل مئات السنين ، عندما عذب اليهود في اسبانيا (على ايدي محاكم التفتيش الكاثوليكية)، قام المسلمون بحمايتهم (في دولة الأندلس). ما يحدث الآن ليس إلا مشاكل خلقتها إسرائيل بخططها ، ومؤامراتها.
أضف الى هذا دور روسيا في تأسيس اسرائيل . ولا تنسَ أنه ، في سنة 1948م ، إتهم السفير الروسي لدى الامم المتحدة الاميركيين بأنهم يعرقلون تأسيس اسرائيل عكس الروس ، تردد الاميركيون في الاعتراف بإسرائيل. وقال بعض الاميركيين أن اسرائيل جزء من خطة لإرسال اليهود الروس الى الشرق الأوسط ، لنشر الشيوعية ، وزيادة النفوذ الروسي. لكن ، بمجرد تأسيس إسرائيل اعترفت بها أميركا ” كأمرٍ واقعٍ ” ، حسب وثائق مكتبة ترومان (الرئيس في ذلك الوقت)
شرحت هذه التفاصيل بهدف اقناع أصدقائي الاميركيين ألا ينقادوا لمصالح ومطامع اسرائيل. وأنا متأكد بأن اكثر أصدقاء الولايات المتحدة هم في الدول العربية. ولهذا ، يجب أن توقف الولايات المتحدة هذا التأييد بدون حدود لإسرائيل. لا يخدم مثل هذا التأييد حتى مصلحة الولايات المتحدة.
لكن ، لسوء الحظ ، كما تلاحظ سعادتكم للوهلة الأولى ، لا تُطَابق مصلحة اسرائيل مصلحة الولايات المتحدة.لست عنصريا عندما أقول ذلك. وليست المشكلة عنصرية ، ولكنها إحقاقاً للحق ونحن نتعامل في هذه المنطقة مع الناس بنفس هذا المقياس ، سواء يهود او غير يهود. وهدفنا هو احقاق الحق. ولهذا ، يجب أن تتأسس في فلسطين دولة مختلطة من المسلمين واليهود. لا يوجد من يشير الى الولايات المتحدة بأنها ” دولة مسيحية ” لأنها دولة ديمقراطية ، ومفتوحة لكل الأديان
ـ كيسنجر: يا صاحب الجلالة ، تواجه الولايات المتحدة مشكلة الانتقال من الوضع الحاضر ، وهو وضع لا يقدر العرب على تحمله ، الى وضع سلام حقيقي .
ـ الملك: لتبدءوا بأن تضغطوا على اسرائيل لتنسحب.
ـ كيسنجر: نعم ، أتفق مع جلالتكم في هذه النقطة ، وهي أن على اسرائيل أن تنسحب. لكن المشكلة هي كيف نقدر نحن على تحقيق ذلك ؟ إذا سمح لي جلالتكم ، أود أن أشير الى بعض آرائنا في هذا الموضوع.
ـ الملك : أنا متأكد بأن اسرائيل ستنسحب في نفس اللحظة التي تعلنون فيها أنكم لن تحموها ، ولن تدافعوا عنها ، ولن تُدلِّلُوها.
ـ كيسنجر: أنا فكرت في آراء جلالتكم هذه. ويجب أن أقول أن فيها موضوعية كبيرة نعم ، تقدر الولايات المتحدة على الضغط على اسرائيل لتحقيق السلام. نعم ، جلالتكم على حق في هذه النقطة. لكن ، هذه مهمة صعبة جداً. والسبب هو أن الظروف الداخلية التي تؤثر على علاقات الولايات المتحدة مع اسرائيل هامة جدا بالنسبة لجماعات داخلية معينة (اللوبي الصهيوني). ويعود سبب فشل كثير من محاولات حل المشكلة في الماضي الى أننا عالجناها كمشكلة خارجية. ولم نبذل جهداً كافياً لمواجهة الجانب الداخلي لها يا صاحب الجلالة ، أنا أتحدث معكم في هذا الموضوع حديثاً صريحاً جداً.
ـ الملك: أقدِّرُ صراحتكم . وأبادلك الصراحة. وأقول لكم أن مواطن أي دولة يجب أن يدين بالولاء لهذه الدولة (للولايات المتحدة)، لا لدولة أخرى (اسرائيل ؟) .
ـ كيسنجر: ربما هذا صحيح. لكن ، الحقيقة هي أن كثيراً من الاميركيين في مواقع هامة ، في الحكومة ، وفي الكونغرس، يرون أن مصالح الولايات المتحدة ومصالح اسرائيل متطابقة.
ـ الملك: أكرر لكم أننا لا نفهم هذا الوضع ؛ ما هي مصلحة الولايات المتحدة في ذلك ؟ نحن نرى أن اسرائيل عبء على الاميركيين. أنها تكلفكم كثيرا .
ـ كيسنجر: بصرف النظر عن الضغط على إسرائيل ، الآن الشيء الهام هو أن الرئيس نيكسون قرر القيام بجهد كبير لحل المشكلة على عكس ما حدث سنة 1967م , الرئيس مستعد الآن لخوض الحروب الضرورية (يقصد مواجهة أصدقاء إسرائيل) لحل المشكلة. أنا قلت ذلك لوزير خارجيتكم. واليوم ، تشريفاً بجلالتكم ، أؤكد لكم ذلك.
ـ الملك: نحن نأمل كثيراً في أن تستفيدوا من آرائنا وأن تقدروا على السير على طريق تحقيق أهدافكم.
ـ كيسنجر: نريد أن يعلم جلالتكم أننا ، رغم مشاكل معينة تواجهنا ، نريد السير نحو تلك الأهداف. وخلال الأسابيع القليلة الماضية ، برهنَّا على أننا نسير نحو الأهداف التي اشار اليها جلالتكم : أولاً : نجحنا في إنقاذ الجيش المصري الثالث (الذي كان عبر قناة السويس شرقا نحو سيناء. ثم إلتفَّت حوله وحاصرته قوات اسرائيلية عبرت قناة السويس نحو الغرب). ثانيا : توصلنا الى اتفاقية تأكيد وقف إطلاق النار ، والتي ستوقع غداً او بعد غد. ثالثاً : اتفقنا مع الرئيس السادات على عقد مؤتمر سلام. رابعاً : سنؤسس علاقات صداقة مع أي دولة عربية مستعدة لذلك. بما في ذلك سورية.
ـ الملك: أنا سألت صديقاً سورياً إذا كانت سورية ستعترض على زيارتكم لها. وأجاب فوراً : بالعكس. نحن سنرحب بها
ـ كيسنجر: كأن هناك سوء فهم حول زيارتي لسورية. نحن وافقنا على مبدأ الزيارة ، وسنواصل الاتصالات معهم.
ـ الملك : كنت أرسلت رسالة الى سورية عن طريق سفيرنا هناك. ورد عليها وزير الخارجية.
ـ كيسنجر: سنضع ذلك في الاعتبار . وأود أن أقول في وضوح بأننا لا نريد استثناء سورية من اي اتصالات على مستويات عالية.
ـ الملك: هذا كلام صائب جداً ، لأن سورية لا يمكن أن تُستَثنى.
ـ كيسنجر: أؤكد لجلالتكم أننا سنتعامل مع سورية معاملة جدية جداً. ونحن نرحب بأي نصيحة من جلالتكم في هذا الموضوع.
ـ الملك: أؤكد لكم أن السوريين توَّاقون للاجتماع بكم على أعلى المستويات.
ـ كيسنجر: سنبدأ اتصالات معهم بمجرد أن أعود الى واشنطن. لن اقدر على زيارة سورية خلال هذه الجولة لأن جدولها محدد. سأزور أوروبا في ديسمبر الشهر التالي . وربما سأستغل الزيارة لمقابلة رئيس سورية هناك.
ـ الملك: نعم.
ـ كيسنجر: بعد الحديث عن سورية ، أريد أن أعود الى الحديث عن المشاكل التي قلت لجلالتكم أننا نواجهها. نعم ، نحن نريد السير نحو الأهداف التي تحدثنا عنها. لكننا يجب أن نُمْهَل حتى نقدر على تنظيم وضعنا الداخلي (يقصد مواجهة ضغوط أصدقاء اسرائيل). وإلا ، ستفشل جهودنا.
يواجه الرئيس ، في الوقت الحالي ، هجوما لأسباب أخرى (يقصد الذين ينتقدون نيكسون لدوره في فضيحة “ووترغيت”). ولا نريد أن يواجه الرئيس هجوما إضافيا من جماعات دينية معينة (يقصد اليهود والمسيحيين المتشددين الذين يؤيدون اسرائيل). سنبدأ في تنظيم المؤيدين لنا في الكونغرس ، وفي الصحف ، وفي مجالات أخرى. وسيستغرق هذا أسابيع.
ـ الملك: نتمنى لكم كل النجاح ، ونتمنى أن تتحركوا بأسرع فرصة ممكنة.
ـ كيسنجر: قالوا لي أن جلالتكم رجل يحترم كلمته ، ويحترم الذين يفعلون نفس الشيء.
ـ الملك: بالتأكيد ، أنا اقدر ذلك. وأقدر أيضاً ، لو عرف الأميركيون مصالحهم. وأنا مستعد لأن أصرخ بقول ذلك من سطوح المنازل اذا استطعت.
ـ كيسنجر: سيرى جلالتكم ، خلال الشهور القادمة ، أننا سنبذل جهدا كبيرا لتحقيق تقدم كبير (لتحقيق السلام في الشرق الأوسط) .
ـ الملك: ستكون شهور مدة طويلة. نأمل أنها ستكون أسابيع. نريد (اذا سارعت أميركا وكسبت أصدقاء في الدول العربية ، وخاصة مصر وسورية) التخلص من نفوذ الشيوعيين في المنطقة نهائياً والى الأبد.
ـ كيسنجر: أريد الحديث الآن مع جلالتكم عن حظر تصدير النفط . نحن نفهم العواطف التي كانت سبب قرار الحظر. (يقصد التضامن مع مصر وسورية بعد أن أعلنتا الحرب على اسرائيل سنة 1973م , لاسترداد اراضيهما التي احتلتها اسرائيل فى حرب سنة 1967م . ونحن لا نريد أن ندخل في جدل معكم حول هذه العواطف.
ـ الملك: نحن ، أيضا نريد حل هذه المشكلة بأسرع فرصة ممكنة. لا نريد فقط إنهاء حظر تصدير النفط ، ولكننا نريد ، أيضا زيادة الإنتاج. لم يكن سهلا علينا اصدار قرار الحظر, وصار الموضوع معقداً جداً. وسيشهد زملائي هنا (في هذا الاجتماع) بأني ، أمس كدت اصاب بانهيار عصبي. لكني سيطرت على نفسي ، واستطعت أن أقابلكم. حدث ذلك عندما استقبلت سفيركم (جيمس ايكنز) الذي قدم لى أوراق اعتماده. كدت اصاب بانهيار عصبي. ونصحني أطبائي بالراحة. والحمد لله ، تحسنت صحتي، واستطعت أن أقابلكم اليوم .
ـ كيسنجر: لم يكن أذى قرار حظر تصدير البترول لأسباب اقتصادية ، لأننا نقدر على مواجهته اقتصاديا ، بقدر ما كان الأذى لأسباب نفسية ، لأنه جاء من صديق قديم للولايات المتحدة.
ـ الملك : وأنا تأثرت مثلكم
ـ كيسنجر: ننتقل الآن الى التطورات الجديدة. وضع الذين يعارضون السلام (يقصد اسرائيل ، وأصدقاءها في اميركا) استراتيجية تعتمد على أن العرب أعداء دائمون لأميركا. ولهذا ، يحاول هؤلاء اقناع الرأي العام (الأميركي) بمعارضة السلام مع العرب (بتصوير أن العرب هم الذين لا يريدون السلام مع إسرائيل).
ونحن مستعدون ، يا صاحب الجلالة ، خلال الفترة القادمة ، للتحرك نحو السلام في المنطقة ، إعتماداً على خطوات ناقشتها في مصر مع الرئيس السادات. لكن ، ستواجه جهودنا مشاكل في أميركا اذا استمر حظر تصدير النفط. وإذا اضطررنا لبيع بنزين السيارات ببطاقات. وإذا اضطررنا لتخفيض بيع غاز التدفئة للمنازل ، والشتاء على الأبواب ؛ سيؤدي هذا الى ثلاثة اشياء:
أولاً : ستقل قوة الرئيس نيكسون (وستقل شعبيته) لأن أعداءه سيحملونه المسؤولية.
ثانياً: ستستغل قوى معينة (يقصد أصدقاء إسرائيل) الموضوع لزيادة غضب الأميركيين على العرب.
ثالثاً : ستزيد المشكلة تعقيداً لأن هذه القوى المعينة (يقصد أصدقاء اسرائيل) تتمتع بنفوذ كبير في الصحف والتلفزيونات.
لهذا ، أقترح على جلالتكم ، ليس التخلي عن مبدأ القدرة على وقف تصدير النفط ، ولكن ، وضع حدود لتنفيذ ذلك. وإذا لم تتحقق الأهداف التي تحدثت عنها ، وإذا لم تتحق الوعود التي قطعتها ، يقدر جلالتكم على إعادة وقف تصدير النفط.
أقترح أن يتخذ جلالتكم الخطوات الضرورية لتخفيض الآثار الضارة لوقف تصدير النفط. ولتسهيل مهمة الذين يريدون العمل لتحقيق السلام في المنطقة.
ـ الملك: سنكون نحن سعداء بإنهاء حظر تصدير النفط في الحال. وفكرنا في الموضوع منذ فترة. لكننا في وضع صعب وحرج لتحقيق اقتراحكم يجب على الولايات المتحدة أن تعلن في الحال ، أن اسرائيل يجب أن تنسحب من الأراضي التي احتلتها وتسمح بعودة الفلسطينيين. وعندي طلب جديد ، وهو أن تتعهد الولايات المتحدة بأنها ستتخلى عن تأييد اسرائيل اذا لم تنفذ هذه الخطوات.
ـ كيسنجر: هل أقدر على أن أقول شيئا ؟ أنا لا أريد أن أعارض مثالية صاحب الجلالة ، ولكني أريد الحديث عن الجانب العملي فيها. اذا أصدرنا قرارات حاسمة (تجبر اسرائيل على الانسحاب)، سنخلق كارثة داخلية (بسبب غضب أصدقاء اسرائيل. لهذا ، يجب أن نتحرك خطوة بعد خطوة نحو الهدف.
أريد أن اضيف نقطة أخرى مع التعهد بسريتها ، وهي أننا سنوقف ، خلال الأيام القليلة القادمة ، شحنات الأسلحة الأميركية الى إسرائيل ، والتي بدأت مع بداية الحرب.
ـ الملك: هذا شيء يجب أن يحدث.
ـ كيسنجر: نقدر على اتخاذ قرارات محددة. لكننا ، إذا أعلنا قرارات شاملة وحاسمة ، سنكون في وضع خطير جدا.
ـ الملك: أنتم تسيرون على الطريق الصائب. وكل ما أريده منكم هو السرعة.
ـ كيسنجر: سنحاول العمل حسب السرعة التي يسمح بها الوضع. لكني اريد أن أدعو صاحب الجلالة ليفكر في إمكانية العمل ، ليس بالضغط ، ولكن بتسهيل مهمتنا لتحقيق أهدافنا (بإنهاء منع تصدير النفط). ويقدر جلالتك على أن تعود إلى السياسة السابقة (منع تصدير النفط)، إذا لم ننجح في تحقيق أهدافنا. يعرف سفيرنا هنا جيمس ايكنز كثيراً عن مشاكل النفط . ويقدر على أن يؤكد لجلالتكم أن استمرار منع تصدير النفط سيعرقل المرحلة القادمة التي تحدثت عنها ، وهي مرحلة العمل لتحقيق أهدافنا وهناك نقطة ثانية ، وهي أن معارضينا سيحشدون الرأي العام الأميركي ، وسيتهموننا بأننا نستسلم لابتزاز العرب . وظهر ذلك ، فعلاً ، في صحف في إسرائيل وفي بعض الصحف الأميركية
ـ الملك: ولكن هناك الجانب الآخر للضغوط ، ويجب أن تضعوا له اعتباراً . وهو أن روسيا والشيوعيين يتهمون حكومات عربية (مثل مصر) بأنها تنقاد للضغوط الأميركية . يعني هذا أن الضغوط تأتي من أكثر من جانب.
ـ كيسنجر: نحن دعونا الروس لمؤتمر السلام ، ليس لأنهم يقدرون على تحقيق السلام ، ولكن حتى لا يعرقلوا المؤتمر.
ـ الملك: نعم. لكني أحذركم من استحالة الثقة في الروس.
ـ كيسنجر: اؤكد لكم ، يا صاحب الجلالة ، أننا لا نثق في الروس. ولا أريد أن أذكركم بأن روسيا عدوة لنا.
ـ الملك: أكرر قولي بأنكم إذا ضغطتم على اسرائيل لتنسحب من الأراضي العربية المحتلة ، ولإعادة الفلسطينيين الى ديارهم ، لن يجد الروس وضعاً يستغلونه.
ـ كيسنجر: ولهذا نريد التركيز على تحقيق أهدافنا التي أشرت اليها سابقاً . وسيؤكد لكم سفيركم في واشنطن أن الرئيس نيكسون لا يحتاج لمزيد من المشاكل . (بالإضافة الى فضيحة ” ووترغيت” ). لا يحتاج لمن يقول له : لماذا لم تتوقعوا قطع النفط؟ و لماذا ستفرضون توزيع بنزين السيارات بالبطاقات ؟ ولماذا ؟ ولماذا؟ . لهذا ، نود أن يقدر جلالتكم ظروف الرئيس ، وألا تعطوا أعداءنا فرصاً أخرى ليستغلوا الوضع ضدنا ، وأن تساعدوا أصدقاءكم الذين يريدون تحقيق السلام ، لا أعداءنا الذين لا يريدون ذلك. وكما قلت لجلالتكم سابقاً ، إذا لم نحقق تقدما نحو أهدافنا ، تقدرون على أن تعودوا الى السياسة السابقة (حظر تصدير النفط ).
ـ الملك: عندي لكم إجابة جاهزة لكل من ينتقدكم ، ويتهمكم بأنكم تستسلمون لابتزاز العرب . قولوا لهم : السبب الوحيد الذي يجعل العرب يفعلون ذلك هو أنكم تؤيدون اعداء العرب .
ـ كيسنجر: ليست هذه عادتنا يا صاحب الجلالة. نحن نفضل أن تكون دعايتنا في الولايات المتحدة على أساس أن سياستنا سياسة مسؤولة. ليس لأننا مع العرب ، او ضد اسرائيل ، ولكن، لأننا نريد تحقيق السلام في الشرق الأوسط . ولأننا حريصون على المصالح الوطنية للولايات المتحدة . هذا هو المنطق الوحيد الذي يفهمونه لكن ، إذا دخلنا في نقاش عن جوانب المشكلة بين العرب وإسرائيل ، سيزيد عدد الذين يؤيدون إسرائيل على عدد الذين يؤيدون العرب ، حتى إذا كان منطق جلالتكم هو الصحيح.
ـ الملك: أقدر توضيحاتكم المعقولة . لكني ، في نفس الوقت ، آمل أن تقدروا موقفنا. ما كان قرار وقف تصدير النفط قراراً فردياً من جانبنا، ولكنه كان قراراً عربياً جماعياً. نحن جزء من العائلة العربية . أريد منكم الالتزام بانسحاب إسرائيل ، لأذهب الى إخواني العرب ، وأقول لهم ذلك. وأريد ، بالإضافة الى ذلك ، شيئين: أولا: السرعة. ثأنيا: إعلان موقفكم علنا.
ـ كيسنجر: سنفعل ذلك خلال مراحل معينة ، مع استمرار جهودنا. وذلك لأننا إذا أعلناه مسبقاً ، سنهزم أنفسنا. إذا أعلناه قبل المفاوضات ، سيقل نفوذنا خلال المفاوضات . كانت سياستي عند مقابلة القادة العرب هي ألا أعدهم بأي شيء لن اقدر على تنفيذه .
ـ الملك: نحن نأمل أن تنجحوا في تحقيق أهدافكم.
ـ كيسنجر: أعرف أن جلالتكم لن يقدر على أن يصدر الآن قرارا حول هذا الموضوع (إنهاء حظر تصدير النفط). لكني ، أفضل أن يضع جلالتكم في الإعتبار بعد مغادرتي هذا المكان، أن الضغوط (استمرار وقف تصدير النفط) ستعرقل جهودنا ، إذا لم تجعلها مستحيلة. وآمل أن يقدِّرَ جلالتكم الجهود التي قمنا بها حتى الآن: أوقفنا إطلاق النار ، وأنقذنا الجيش المصري الثالث ، وأكدنا وقف إطلاق النار ، وسنوقف ، في الأسبوع القادم إرسال الأسلحة الى اسرائيل.
ـ الملك: نصلي لله سبحانه وتعالى أن يستمر في توفيقكم للنجاح في كل أهدافكم النبيلة .
ـ كيسنجر: أقدر مناقشة جلالتكم لهذا الموضوع. وسيواصل سفيرنا هنا الاتصالات.
ـ الملك: نحن نرحب دائما بالحديث مع سفيركم هنا.
ـ كيسنجر: أؤكد لجلالتكم أننا سنبذل جهودا كبيرة ، وبكل التصميم الذي نقدر عليه ، لمصلحة أصدقائنا في الدول العربية.
ـ الملك: آمل لكم كل النجاح.
ـ كيسنجر: لا أريد أن أثقل على جلالتكم. وأنا تحت رهنكم. هل أستمر؟ أم أتوقف؟
ـ الملك: أقدر لطفكم.
- انتهى الاجتماع في الساعة العاشرة وخمس وعشرين دقيقة مساءً و نظرة متأنية لفحوى الحوار كفيلة أن تعطيك تصور عن قدرات الملك فيصل الزعيم وملكاته في التفاوض المباشر وخاصة إذا كان النِّد دبلوماسي داهية مثل كيسنجر ؟ مع كل سؤال أو إجابة من الملك فيصل تشعر بالعزة والأنفة المشوبة بالبساطة والتواضع , لقد سَبَرَ غور الإدارة الأميركية فلم تستطع فرض إرادتها عليه أو تصوراتها وإنما كان العكس هو الصحيح لكن ما انطباع كيسنجر بعد هذا النقاش الساخن جداً ؟ وما هي أصداءه ؟
نتعرف عليها غداً في الحلقة القادمة حيث نعرض الإجابة من خلال وثيقة حملت عنوان ” سري للغاية ”






