إيوان مكة

ومازال … الشغف !

‏عينان صغيرتان تتفتحان كنرجستين
‏ فقط لتمزيق ورقة التقويم كل صباح.
‏ كانت هذه بداية الشغف!
‏تلك العبارة المكتوبة في نهاية الورقة كانت السر!!

‏منذ نعومة إحساسيَ، وأنا بنت الصف الثالث الابتدائي، وعيناي تتسمران على ذلك السطر الآية .. الإعجاز!

‏أقرأه مرارًا وتكرارًا أنا النجيبةُ البارعةُ في ترتيل القرآن وتفسيره من الكتاب الذي تلزمني أمي – رحمها الله – بقراءته
‏لم تجد ما تشغلني به لتوقف سيل الأسئلة الذي أصبه في رأسها طوال الوقت، ولا سبيل لها لإيقافه إلا بإجلاسي في إحدى زوايا البيت للترتيل وقراءة التفسير بصوت يسمعه القاصي والداني مع القراءة بالتعبيرالصوتي الأخاذ.

‏ربما تلك كانت البداية..
‏ بدايات الشغف الذي لم ينته، ولا أخاله سوف يزول!
‏ يا إلهي.. إنه لا ينتهي أبدًا!!

‏بدءا بورقة التقويم التي أقرأها صباحًا ومساءً
‏وأنتظر بلهفة صباح اليوم التالي لأقتطعها وألصقها بدفتري الذي صممته بنفسي وخصصته لجمع العبارات وأبيات الشعر والحكم من أوراق التقويم بعد قصها بطريقةٍ فنية وتلوين أطرافها.

‏كان تلك الأوراق تتحول لقطعة فنية في عين طفلة الثمان سنوات بما تحتويه من كلام جميل وآسر، والذي لم تكن غالبا تفهمه، لكنه كان كثيرا ما يستولي على فكر الصغيرة، فيملك شغاف قلبها الغض.

‏ألصق تحفتي الفنية في دفتري الأثيرالمكون من ما تبقى من أوراق دفاتر إخوتي الدراسية
‏والتي قمت بتخريمها وربطها بشريط وردي فاتن. كان الدفتر يشبه رزمةً من رسائل العشاق، أما غلافه فمزين بقصاصات من ورق الجدران وبعض الأزهار والقلوب الوردية
‏ التي قصصتها من بطاقات الدعوة الخاصة بالأفراح!
‏كل هذا كان احتفاءً بتلك الكلمات، وبتأثيرها السحري الذي كانت تتركه علي.
‏ كانت تشبه نهرًا يسقي بذرة الشغف بالقراءة في قلبي وعقلي..
‏كانت تنمو وتكبر، ليس معي بل قبلي بمراحل!
‏لتصبح غابةً من الأشجار العملاقة..
‏دوحة خضراء تعربش في أروقة روحي وتحت ضلوعي.. تتعانقُ عرائش للمعرفة
‏ أستظل بها كلما لفحني هجير الجهل، أو أحرقني سجير التخبط والحيرة.
‏تلك الكلمات !
‏التي تُمارس سطوتها علي في ذلك العمر الصغير فتأخذني من يد عقلي وبخطوات قلبي الحثيثة لعالم القراءة والكتب.

‏قرأتُ كل ما وقعت عيناي عليه، وأغلبها كتب إخوتي الدراسية، وأخرى دينية لجدي لأمي – رحمهما الله.

‏كنت أقرأ وأقرأ دون توقف.. حتى أني قرأت كتابًا كان محظورًا علينا قراءته حسب توصيات جدي لأمي، وفعلًا لم أستطع إكماله، ومازال غلافه الأصفر الفاقع عالقًا في ذاكرتي..

‏ في العاشرة بدأت بالتطفل على كتب أخي التي كان يحضرها معه للمنزل؛ فقرأت للمنفلوطي ‘العبرات’ و’النظرات’ و’تحت ظلال الزيزفون’!
‏لن أنسى البكاء الذي يصير عويلًا لدرجة يصعب معها إكمال القراءة..

‏كلما بدأت القراءة أشعر بجناحي روحي وهي تطير بين دفتي كتاب.
‏هاتان الدفتان هما بوابات عوالمي التي لايشاركني فيها إلا الكاتب وأبطال الروايات والقصص..
‏برفقتهم أعيش حياةً أخرى بين كل سطرٍ وآخر.

‏مازلت حتى يومنا هذا أقرأ بذات الشغف.. تقرأ روحي، ويسافر عقلي، ويعيش إحساسي تفاصيل التفاصيل..

‏ تشاركني حواسي بالكامل كل ما أقرأ!!
‏أشم الروائح، وأسمع الأصوات، وأنتقل من مكان لآخر وأنا أشاهد كل أبعاد المكان والزمان، وألمس كل ما يُلمس ويُرى..!

‏أنفعل مع كل المشاعرالمكتوبة على الورق وأعيشها..
‏مازالت لذة القراءة طازجة وشهية حتى أنني أقرأ أكثر بكثير مما أكتب!
‏والمدهش في كل هذا أنني أنقاد للقراءة بكامل رغبتي وإرادتي وعن قصد.
‏إلا أن الكتابة على العكس تمامًا فهي التي تقودني إليها حين تشاء..

‏ عبثًا حاولت الجلوس والاستعداد للكتابة والتهيؤ لها كما أفعل عند القراءة وخلق أجواء ماتعة كطقس ربيعي وثير.
‏أشعلُ الشمع، وفواحات اللاڤندر، وأكواب الشاي بالحبق المديني، والقهوة مع الشوكولا
‏وأنعزل عن الدنيا لأجد نفسي في دنيا الكتاب المعجزة الذي يجعل أنفاسي تتلاحق وأنا أقرؤه ..
‏أشعر بوثبات عيني بين أسطره.. وأفقدني قبل أن يفتقدني كل من في البيت

‏أما الكتابة فتهجم علي وقتما تريد وكيفما تشاء دون اعتبار لأي وضع أكون فيه إما أن أقترفها حين تحين أو أن تغادرني دون رجعة!
‏بقي أن أقول أنني في الكتابة أنفعل وأتألم، وبها أتأمل وأتعلم.
‏وبين القراءة والكتابة يسكنني الشغف وهو القاسم المشترك الأشهى.



‏⁧‫#وفاء_السالم‬⁩

مقالات ذات صلة

‫8 تعليقات

  1. وهذا هو ماينقصنا دائماً “الشغف” ذاك الإحساس الجامح بالرغبة في المزيد ،الشعور الدافع في كل أمر تراد له الحياة، قالت أحلام مستغانمي مرة ،هناك أمر ما يخفى علينا جميعاً يحدث في صغرنا تدور بعد ذلك حوله كل تفاصيل حياتنا ،أعتقد أن وفاء اليوم فسرت لي جزء من أحجية مستغانمي ،شرارة صغيرة ،تُقدها روحٌ كبيرة في جسم طفل تجد من يوجهها فتصبح نورً وشغف.

    شكراً وفاء

  2. الشغف هو القوة الحقيقيه والخفيه لـ ( اريد المزيد ) والمزيد من اي شيء انت تريده هذا ما كنت اتوقعه منك بان لديك شغف للقرآءة والكتابه ، وانا لدي الشغف ايضاً للقراءة ولكن لم يكن لدي هذا الشغف قبل عدة شهور ولكن الان اريد المزيد ولكن المزيد من وفاء السالم والكثير من كتابات وفاء السالم والكثير من عباراتها وشغفها وموهبتها اريد المزيد من سطورها .. هذا فعلاً شغف القراءه والاستمتاع بما اريد

  3. .
    ..

    الله الله الله ..
    شَغَفٌ شَغَفٌ .. والكلُّ يشكو من شَغَفْ ..!!
    بُكائياتُ الشَّغَفِ ونحيبهِ تكنْ عند مسامسها بالأشواق ..!!

    شغفكِ المُختلف بالقراءة منذُ نعومة أظفاركِ
    هو القائدُ الأول للباقةِ الكلمات , وجُزل المعاني
    المُكونة في مُفرداتك ..
    فلتهنأي ..!!

    لسانُكِ الفصيحُ وقوامُه لن يكونَ إلا من مداومة
    التراتيلُ القرآنية , وهذا ما حدث معي شخصيًا
    فلكِ الأجرُ والرفعةُ دُنيا وآخرة ..

    أما عن نَهَمِ القراءة والكتابة فقدْ قلتُ سابقًا ..
    وأخالني مُحقًّا بعضَ الشيئ ..
    أنَّ وجودَ أُنثى تتكىءُ على أريكتها ..
    ترتشفُ قهوتها ..
    تتحسَّسُ أوراقَ مدوناتها ..
    أو كُتبها المفضلة ..
    تتأمَّلُ ضوءَ نافذتها ..
    تتَّحدُ نبضاتها مع أنغامها ..
    الوصولُ لسقفِ أحلامها مُحال ..
    بل مُحالٌ جدًّا ..!!

    هنيئًا لكِ كلُّ هذا البذخِ ياوفاء ..
    وهنيئًا لنا كقُرَّاء نمخرُ عُباب بحر معانيك .?

  4. هذه تملأ كفة الكتابة .. كتابة يا وفاء
    أعشق قراءات النصوص عشقي لأغلى الناس في حياتي .. قراءاتك هنا وكأنها الزاوية العكسية لنا بل هي المرآة المشرقة وتؤامة الروح واستثناء لظهور البعد الأخطر في فكرة القراءة بعد البعدين الزماني والمكاني ألا وهو البعد الروحي

  5. جميل بمجمله و لكن من وجهة نظري البسيطه اظن ان هذه السطرين تحتاج الى اعادة في الصياغة :
    “‏والمدهش في كل هذا أنني أنقاد للقراءة بكامل رغبتي وإرادتي وعن قصد. ‏إلا أن الكتابة على العكس تمامًا فهي التي تقودني إليها حين تشاء..”

    انقاد ، تقودني

  6. إذاً هكذا تشكلتْ عجينتكِ بدءً بالقرآن انتهاءً بلا منتهى ، إذاً لا عجب من هكذا لغة شاهقة آسرة خاشعة ، إذاً نلتِ شيئا عظيماً من وصايا الربّ “إقرأ” ، القراءة سفرٌ في سِفْرٍ إثر سِفْر ، بينما الكتابة ظعنٌ مؤقت … ياله من شغف يا وفاء ،
    لا جديد دائماً تقولين ما نعجز نحن البسطاء بدائييّ الحرف عن قوله .

  7. شغف
    انها رواية يا وفاء..كلما قرات سطر ازداد الشغف لقراءة المزيد
    كلماتك وحروفك ولغتك وعزفك كلها تجعلني في حالة من الشغف..
    ما اجمل ما قرأت ودي واحترامي لقلمك الفاره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى