
يتفق الكتاب والقراء على أن الكتاب الجيد هو الذي يستطيع أن يكتب عما يجول في نفوس القراء، الذي يغوص بقلمه إلى أعمق نقطة في بدواخلهم، الذي يُصمتُ بكلمة منه معاركهم الداخليه، ويخرس بقلمه أصوات الشك. لذا يمتلك كل قارئ كتاب يشعُر أنه كُتب من أجله. أو أن جزءاً منه لامس داخله، أو أن بطل الرواية كان يُجسد ذاته. وأنا أيضاً أشارك القراء ذات الشعور وأمتلك كتب بل مضادات اكتئاب وجرعة مورفين إذ أنني قبل السابع والعشرين من شهر صفر تضعني المصادفة الجميلة أمام كُتب إياد. في ذلك التاريخ السابق فقدت أختي الصغرى بعد صلاة المغرب قُبيل أذان العشاء بدقائق. طلبت أن تتوسد فخذي كما اعتادت، لكنها لم تستيقظ ولهول الصدمة لم أستطع الحديث! يُقال بأننا كُنا ممسكين بأيدي بعضنا جيداً، وأن أحدنا كان يشُد على يد الآخر. ويُقال بأن الأطباء حين جاءوا ليُعلنوا ساعة الوفاة اضطروا لتطبيبي أيضاُ، ويُقال بأنني حين تُليّ عليّ خبر الوفاة بعد الاستيقاظ من الفاجعة سقطت على وجهي! أنا لا أتذكر كل ما سبق جُلّ ما أذكره حالة الصمت التي اجتاحتني وحب الاعتزال الذي تملكني. فقدت شهيتي وعلى أثرة فقدت الكثير من الوزن حتى شارفت على الثلاثين كيلو. غادرت الكتب ولم اُجب على الكثير من الأصدقاء فغادروني بدورهم. فجاء معرض الكتاب بمدينة جدة بحلته الأولى وأُخذتُ عنوة إلى هناك اخترت الكتب بسرعة وعلى حين عاطفة، وأنا التي ما كنت أقرب من كتب الهيام والغرام. وحين شرعتُ بقراءة ما اختاره مزاجي لم يُعجبني شيء عدا كتابٍ أبيض ذي صورة لا تناسب عنوانه الذي جاء باسم “الخليفة”. كان يتحدث عن الموت وحياة القبر بصورة سلسلة وكأنه بذلك يُطبطب على جُرح فقدي. كنت وبحاجة ماسة إلى تلك الرواية التي أغنتني عن تعاطف من حولي. وقبل حلول سنة على رحيل صغيرتي جاءني صديقي بكتاب “أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس” الذي ترجمة إياد تناولت الكتاب بسعادة غمره وما خاب ظني أبداً بأنه سيُخرسُ بركان الحزن الذي كاد أن يثور داخلي. والآن قبل حلول سنةُ أًخرى على فقدي اتتني القريبة إلى قلبي بيادر بكتاب “ريب المنون” الرواية التي مُنعت من النشر للكاتب. لهذا أنا أُؤمن بأن الكُتب قادرة على ملء النقص بداخلنا. رواية الخليفة كُتبت من أجلي أنا فإن كان كتاب “عزاءات الفلسفة” يُقدم تعزية للفرد في أمور حياته وظروفه وما يواجهه من مصاعب، وكيف أن الفلاسفة أيضاُ حدث معهم ذات الأمر. هذه الرواية جاءت تماماً تعزية لأجلي.





