✍️جمعان البشيري
كتب القاص محمد جبران في صحيفة مكة مقالًا بعنوان «السلوك… ذاكرة لا تتجمل» بتاريخ 20 أبريل 2026، وهو مقال أيقظ في الذاكرة أكثر مما قدّم من قراءة، واستدعى من المعاني ما يتجاوز حدود النص إلى فضاء التجربة.
الرابط :
https://www.makkahnews.sa/5500107.html
في زمنٍ تُكتب فيه المذكرات أحيانًا بمداد المجاملة، وتُعاد صياغة الوقائع بما يوافق صورةً مثاليةً مُفترضة، يبرز اسم الراحل علي بن صالح السلوك – رحمه الله – بوصفه نموذجًا مختلفًا؛ نموذجًا لا يُهادن الذاكرة، ولا يُساوم على صدقها.
لم يكن المقال المنشور قراءة عابرة لكتاب، بل كان استدعاءً واعيًا لقيمة نادرة في أدب السيرة: الصدق حين يكون مؤلمًا، والوضوح حين يكون مُحرجًا. وهذه – في تقديري – ليست مجرد سمة أسلوبية، بل موقف فكري وأخلاقي من التاريخ والحياة.
وقد أعادني المقال، بما حمله من إشارات، إلى تجربة شخصية سابقة مع هذا المشروع التوثيقي؛ وذاكرتي التي أسعفتني بالعودة للوراء حين التقيت عام 2021 بالعميد المهندس المتقاعد زهران بن علي السلوك، في حوارٍ صحفي حمل عنوان: «الراحل علي السلوك الباحث… والمؤرخ… والإنسان الذي سرقه الزمن عبر وثائق التاريخ».(١)
كان ذلك اللقاء مساحة تمتد بين الذاكرة والوفاء؛ بين ابنٍ يحمل إرث والده، ورجلٍ يُدرك أن التوثيق ليس ترفًا، بل مسؤولية.
كما لا يمكن إغفال الكتاب الذي طُبع مؤخرًا بعنوان :« بين العمل الحكومي والاجتماعي .. ذكريات ومواقف »، والذي وصلني منه نسخة مهداة(٢)، فكان بمثابة نافذة إضافية على تجربة إنسانية ثرية، كُتبت بصدقٍ نادر، ووعيٍ توثيقي عميق.
ما يلفت في مذكرات السلوك – كما أشار المقال – أنها لا تُقدّم صاحبها بطلًا مثاليًا، ولا تُخفي عثراته خلف ستار البلاغة، بل تُبقي الإنسان على طبيعته: يُخطئ ويصيب، يتعلم ويتحوّل. وهذه الصيغة، على بساطتها، هي الأصعب في الكتابة؛ لأنها تُجرّد الكاتب من دروعه، وتضعه في مواجهة القارئ بلا وسائط.
إن السيرة التي لا تتجمّل لا تُسيء إلى صاحبها، بل تُنصفه؛ لأنها تمنحه ما هو أبقى من الصورة اللامعة: المصداقية. ولعل هذا ما جعل تجربة علي بن صالح السلوك – رحمه الله – تتجاوز حدود الحكاية الشخصية، لتغدو وثيقة اجتماعية تُضيء ملامح مرحلة، وتكشف تحولات مجتمعٍ بأكمله؛ من ضيق الإمكانات إلى سعة الطموح.
ومن زاوية أخرى، فإن إعادة نشر هذه الذاكرة عبر جهد ابنه زهران بن علي السلوك تمثّل امتدادًا لثقافة الوفاء المعرفي؛ ذلك الوفاء الذي لا يكتفي بالحفظ، بل يسعى إلى الإحياء، وإعادة تقديم التجربة للأجيال بلغة العصر، دون أن يفقدها روحها الأصيلة.
إننا أمام عملٍ لا يطلب التعاطف، بل يفرض الاحترام؛ لا لأنه كُتب بإتقانٍ لغوي فحسب، بل لأنه كُتب بشجاعة إنسانية نادرة.
ويبقى للوصل همزة، وسؤال:
كم من ذاكرتنا ما يزال حبيس الخوف من الحقيقة؟
وكم من سيرنا تحتاج إلى قدرٍ أقل من التجميل… وقدرٍ أكبر من الصدق؟
(١) – صور من اللقاء عام 2021 م

(٢) صورة للكتاب







