
حين تخاطب القلوب بعضها ، حين تهزم الحدوس حواجز الجدار الأزرق ، حين يتحدث الجميع عن صداقات افتراضية لا يمكن أن ترى النور ، لا يمكن أن تنبعث من خواء الافتراض لعمار الأرض . هاهو المحال يصير ممكنا و بطعم الصبار و أسراره في جلسة حميمية بعيدا عن الأضواء . اختلسنا لحظات تعالت على كل الدوافع و البواعث وعبثنا بكل الأدبيات و اتيكيت التواصل و زحمة اللقاء … وكنا قلبا صبيتان تتهامسان ؛ تتكلمان بدون توقف ، بدون لاءات ، سلمنا قلوبنا الصغيرة التي لم تنضج بعد لأنها لا ترغب في أن تفارق البساطة حد السذاجة ، لم تودع الصفاء في حياة لم تعد صافية و لم تتنكر للمعدن و الطين … استسلمنا للحدوس وتبادلنا بعفوية حديثا مرتجلا بدون حمولة و لا باعث …لكنه بعث في مزار الفنانة التشكيلية عائشة لحبوسي ” sab’art ” و في صبارها على حد قولها أنسا لا يوصف .
دخلت المزار و كأني أدخل عالما من الأرواح ؛ لعل عائشة أسكنت – أناملها الرقيقة المرهفة – الروح في كل قشة و كل خيط و كل صدفة ، حتى باتت صبارة جميلة للراءي و الزائر و القاصد و المسافر . فبين صبار و صبار و قدح و قدح قصة و معاناة فمحاباة للنجاة ، رسمت ألما و أملا و وجعا فترياقا و كدرا فدعاء و ابتهالا ، فكأنما الصنارة سبحة تعد فيها أذكار الليل و النهار .
جلسنا في سكون بعيدا عن كل متعارف و متآلف حد التطرف ، طقوس و حدوس متبادلة و بوح قالت أنها خصتني به … كم كنت منتشية و أنا انطر سربلات سر شغل بالي منذ بدء علاقتنا ، ما هذا العالم الصباري المخلوط بالتصوف و التعبد ؟!
لكم كنت متوجسة من أن تتوقف السربلة و أعود خائبة … لأنها عملية فلاش -باك من نوع خاص . حدثتني عن قصة الصبار … كانت ترعاه مذ صباها ، بل كان لها مشتل ببلكونة البيت جعلت منه معبدا و رعايته منسكا . حتى أنها لما لحقت ببيت الزوجية أخذت الصبار فهو الزاد و المتاع … لكن القدر شاء أن تغادر الوطن و الموطن و العائلة و الكنف و الصبار و الأقداح . و هي بالمهجر بالديار الكندية ؛ و رغم رعاية الأهل للوصية ؛ كانت كلما ورد نبأ إلا و كانت معه أنباء عن إحدى صباراتها التي هلكت و ماتت و كأنها تستجيب لحال عائشة و المرض الذي ينهش جسمها الرقيق … إن الصبارات تعودن أن يستجبن ولو حد اللحد .
زاد العضال عند عائشة لحبوسي و تمكن السقم كما تمكن من صباراتها التي لم يبقى منها إلا بضع أو زيد عنها بقليل . عادت عائشة لتعيش آلامها بين ذويها و تجري عملية استئصال للورك … استلمت الوديعة و معها كل الأقداح الفارغة و قبل أن تستسلم للموت أو الحياة منحت الصبارات الصامدة الموت الرحيم ” L’athanasie ” . لتستقبل ما هو أقسى ؛ الاستئصال و حياة غير رحيمة .
و هي بقاعة العمليات و المخدر يتلاعب بقواها مستسلمة ليس لفقدان الوعي بل لموت رحيم … وفي قمة اليأس تذكرت أن الصبار لا يموت و ستحيا …
كللت العملية بنجاح و عانقت الفنانة عائشة لحبوسي الحياة من جديد بدون طعم الصبار و لا طعم الحركة … الشفاء مسيرة شاقة و النقاهة طويل أمدها و الصبارات غائبات ، و المرسم بدا بعيدا بكرسي متحرك … حاولت أن تثور على مقالع الرسم و اللون و الفرشاة … و هي تطمر معالم المرسم و الورشة تسربلت من يدها كبة خيط و تسربلت معها مليون فكرة … فكانت بداية عند النهاية ؛ أمسكت الصنارة و بدأت تنسج الأمل و تعيد لأقداحها الحياة . فعلى حد قولها اشتغلت على الصبار و هو مادة صعبة المنال و أعطتها الحياة بمواد سهلة المنال ، فجعلت الألم أملا و المحنة منحة و الشوك صار عندها شوقا .





