الثقافية

من مُلَحِ القوم

من مُلَحِ القوم

حديثنا اليوم يحمل دعوة إلى إشاعة روح المرح والفكاهة بيننا؛ إذْ يعرض عددًا من المواقف الطَّريفة، حملتْها إلينا مجموعة من كتب النوادروالطرائف في تراثنا الأدبي. وقد ضمَّتْ مواقف لشعراء وخلفاء، بل وفقهاء وقضاة ووعَّاظ وأئمة مساجد، وغيرهم وغيرهم، على امتدادِ العُصورالإسلامية المختلفة.

وقبل تقديم الباقة التي اخترناها، نعرض شيئًا ممَّا سطَّره عبد الفتاح مرسي ـ في مجلة أمواج الإسكندرية الإليكترونية ــ عن أهمية الفكاهةودورها ومحمُولاتها، قال:الفكاهة فنٌّ لا يُجيده إلا القلائل من الناس، والفكاهة فلسفة لأنَّها يجب أن تكون تعبيرًا عن موقف أو نظرة أو فكرةنتوسل بها بلطف ودِقَّة، باللَّمح دون الإطالة، بالتلميح دون التصريح. وإذا خلتِ الفكاهة من بعض هذه العناصر، وهى أحيانًا تخلو، جاءتناقصة باهتة اللون، عاجزة عن الوصول إلى النفوس والقلوب.

والمسلمون عرفوا هذا الفن منذ حياة الرسول الكريم، حيث يروى أنَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لحنظلة:ساعةً وساعةً، أىْ راوح في أوقاتكبين الجِدِّ والترفيه؛ ذلك لأن النفس تَمَلَّ من الاستمرار في الجد، وترتاح إلى بعض المباح من اللهو.

وسئل النخعى:هل كان أصحابُ رسول الله يضحكون؟قال:نعم، والإيمانُ يملأ قلوبهم مثلَ الجبال الرَّواسِي“.

وعن عليِّ بن أبى طالب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال:

رَوِّحُوا القلوب واطلبوا لها ظُرفَ الحكمة، فإنَّها تَمَلُّ كما تَمَلُّ الأبدان

. ورُوي عن خالد بنصفوان الخطيب:

لا بأس بالمفاكهة تُخرِجُ الرجل من حالة العبوس؛ فكما أنَّ الفاكهة راحة للجسم، فإن المفاكهة راحة للنفس.

     وبعد أن عرفنا أهمية الفكاهة ودورها في التعبير عن المواقف وتصويرها، إضافة إلى دورها الترفيهي،

ننتقل إلى عرض ما اخترناه لكم منمواقفها.      

ونبدؤها بموقفِ طلبِ فتوى من الإمام أبي حنيفة، أحد فقهاء المذاهب الأربعة، فقد روي أنًّ رجلًا  جاء إليه فسأله قائلًا: إذا نزعتُ ثيابي،ودخلتُ النهر أغتسل، أفَـإلى القبلة أتوجّه أم إلى غيرها ؟ أجابه أبو حنيفة:اجعل وجهك جهةَ ثيابك لئلّا تُسرق “.

ونلاحظ على ردِّ أبي حنيفة أنَّه مع ظرفه يحمل تلميحًا إلى  ما في سؤال المُسْتَفتِي من التنطّع والإيغال.

  وروي عن علي ابن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أنَّه نظر إلى رجلٍ يجرُّ ذيله على الأرض لطول ثيابه، فقال له علِّي:

يا هذا، قَصِّرْ مِنْ هذا؛فإنّه أبقى وأنقى وأتقى “.

ويلفتنا في هذا التوجيه أنه جاء رفيقًا خاليًا من التَّسفيه والتَّأثيم، بل فيه إثبات التقوى للرجل والنقاء لثوبه، وذلك مايفيده استخدامه ــ رضي الله عنه ــ لصيغ التفضيل:أبقى، أنقى، أتقى“. كما نلحظ أنّه بدأ بأثر التقصير على إطالة عُمُر الثوب.

ولعمر بن الخطاب مواقف طريفة أيضًافقد روي أنَّه ـ رضي الله عنه ـ رأى أعرابيًّا يُصلِّي صلاة خفيفة، فلمّا قضاها توَّجَّه بالدعاء قائلًا:اللهمَّ زوِّجْني من الحُور العِين. فقال له عمر:لقد أسأتَ النقد ـ أيْ قلَّلتَ المهر ـ  وأعظمتَ الخِطبة” .

ومن طُرَف الفقهاء والخلفاء، ننتقل إلى طرائف العامة،

روي عن الأصمعيِّ أنه قال لهارونَ الرشيد يومُا: بَلغني يا أمير المؤمنين أنَّ رجلًا منالعرب طلَّقَ خَمْسَ نسوة في ساعة واحدة، فقال الرشيد: إنَّما يجوزُ تزوُّج رجلٍ بأربعة نسوة، فكيف طلقَ خمسًا، أجاب الأصمعي: كان للرجل أربعُ نسوة، فدخل عليهنَّ يومًا، فوجدهنَّ مُتلاحيات (أي متنازعات)، وكان هو سيِّءَ الخلق، فصرخ: إلى متى هذا التنازع؟  وقال لواحدة منهن:ما أظنُّ هذا الأمر إلا من قِبلك، اذهبي فأنت طالق، فقالت له صاحبتها: عجَّلتَ عليها بالطلاق، ولو أدَّبتها بغير ذلك لكنت حَقيقًا (أي جديرا)،فردَّ عليها: وأنت أيضًا طالق، فقالت له الثالثة: قبّحك الله!؛ فواللهِ لقد كانتا إليك مُحسنتين، وعليك مُفْضِلَتَينِ (أي صاحبتيْ فضل عليك)، فقال:وأنت أيَّتُها المُعدِّدةُ أياديَهما طالقٌ أيضًا. فقالت له الرابعة، وكانت هِلالية وفيها أناةٌ شديدة: ضاق صدرك عن أن تؤدِّبَ نساءك إلَّا بالطلاق فقاللها: وأنت طالق أيضًا، وكان ذلك بِمسْمَعِ جارةٍ لهم، فأشرفتْ عليه (أيْ اطلَّتْ) وقد سمعتْ كلامه فقالت: واللهِ ما شهِدتِ العربُ عليك وعلى قومكبالضعف إلَّا لما بَلَوْهُ ووجدُوه منكم، أبيتَ إلَّا طلاق نسائك في ساعة واحدة! فردَّ عليها: وأنتِ أيَّتها المُؤنِّبة المُتكلِّفَة طالق أيضُا، إنْ أجاز زوجك،فأجابه الزوج من داخل بيته: قد أجزتُ، قد أجزت “.

صورة كارِكاتورية تحمِلُ في أثنائها حُكْمًا بالتّسرُّع، بل والحُمق والسَّفَه، أيِ الخِفَّة  والطَّيْش والجهل.

ونصيرُ الآنَ إلى طرفة بطلاها نحويٌّ ورجلٌ يلحن،

وقد قال لسعيد بن عبد الملك الكاتب: أتأمر بشيئًا؟  أجاب سعيد: نعم،أوصيك بتقوى الله وبإسقاط ألف شيئًا“. وقيل: إن َّ بعض الفقراء وقفَ على باب نحوي فقرعه، قال النحوي: من بالباب؟ أجاب: سائل، قالالنحوي: ينصرف، فقال الفقير: اسمي أحمد، فقال النحوي لغلامه: أعطِ سيبويهِ كَسْرَة“.

وروي أنَّ أحد الأعراب سألَ آخر عن اسمه، فقال: اسمي بحر، ثم سأله: ابنُ مَنْ؟ أجابَ: ابنُ فياض، ما كنيتُكَ؟ أجاب: أبو النَّدى، فقال له: لاينبغي لأحدٍ لقاؤك إلَّا في زورق“.

     وإلى موقف طريف حدث في مجلس القاضي إياس بنِ معاوية، حيث أتاه أمير البصرة، عديِّ بنُ أرطأة، وكان أعرابي الطبع (أيْ فيه جلافة الأعراب)، فقال: ياهَناة (يا رجل) أين أنت؟ أجاب إياس: بينك وبين الحائط. قال عَـدِيٌّ: فاسمع مني، قال إياس: للاستماع جلستُ، قالعدي: إني قد تزوجتُ امرأة، ردَّ عليه إياس: بالرفاه والبنين، قال عدي: وقد شرطتُّ لأهلها ألَّا أُخْـرِجها من بيتهم، قال: أوْفِ لهم بالشرط، قالعدي: وأنا أريد الخروج، قال إياس: في حفظ الله، قال عدي: فاقضِ بيننا، قال إياس: قد فعلتُ، سأله: فعلى مَنْ قضيت؟ أجابه: على ابنِ أمِّك“.

   وآخر ما اخترناه لكم ما روي عن الخليفة، المهديِّ، أبي هارونَ الرشيد، من أنَّه قال لحاجبه يومًا نصفَ النهار: أُخرُج فانظر مَنْ بالباب،فخرج، فإذا شخصٌ واقف، فسأله الحاجب: ألكَ حاجة ؟ أجابه: لا أخبر بحاجتي أبدًا غيرَ أمير المؤمنين، فأخبرَ الحاجب المهديَّ بخبره، فقالالمهدي: اِيذن له، وَمُرْهُ بالتخفيف، فخرج إليه يقول: أُدخلْ وخفِّفْ، فدخل وسلَّم بالخلافة، ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، إنَّا قد أُمِرنا بالتخفيف:

      فإنْ شئتَ خفَّفْنا وكنّا كريشةٍ        متى تُلقِها الأنفاسُ، في الجوِّ تذهبُ

      وإنْ شئتَ ثقَّلنا فكنّا كصخرةٍ          متى تُلقِها في حَوْمَةِ البحر تَرْسُبُ

      وإنْ شئتَ سلَّمنا فكُنَّا كَـراكِبٍ          متى يَقـضِ حقًّا مِنْ سلامٍ يُغـَـرِّبُ

     فضحك المهديُّ وقال: بل تُكرمُ وتُقضى حاجتًك، فقضى حاجته ووصله بِعَشَرةِ آلاف دِرْهَم.

      الإخوة والأخوات ما قدمناه لكم اليوم، جئنا به من كتابطرائف ونوادر من عيون التراث العربي، جمع الدكتور نايف معروف، إلَّاالمقطوعة الأخيرة (فإنْ شئتَ خففنا)، فقد استلَلْناها من كتابحكم قيِّمة من تراث العرب، جمع عبد العزيز الأحيدب.

      وبعد، فأرجو أنْ تكون هذه المختارات قد أسعدتكم، وبالبهجة غمرتكم، وعمَّا كان يتمتع به أسلافنا من الظرف وروح الفكاهة أخبرتكم. وإلى لقاء جديد نقدم فيه ـ إن شاء الله ـ المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى