
أصبح التوسع في تجريم السلوك الإنساني، والبحث له عن تكييف قانوني؛ ليقع تحت طائلة العقوبات شغل البعض ممن ينتسبون إلى مهنة المحاماة، وفي هذا التحقيق نبحث الأسباب الحقيقية وراء هذه النزعة..هل هي بحث عن الشهرة والمكسب السريع؟! ومن المسؤول عن تحجيمها قبل أن تتحول لظاهرة خاصة أنها تُمثل الاستثناء حتى الآن، لكنها تضر بالمجتمع وأمنه وحرية أفراده المكفولة نظامًا وشرعًا.
البحث عن بريق الشهرة ؟!
يقول أحمد عوض – كاتب رأي ـ : المحاماة مهنة أساسها ترسيخ مبدأ العدالة، وهذا ما نراه في الكثير من ممارسي هذه المهنة السامية ولله الحمد، ولكن للأسف في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها تويتر تحديدًا انجرف “بعض” المحامين خلف خطابات شعبوية ودافعهم بريق الشهرة والمكسب السريع!! مما أوجد شخصيات مستعدة لفعل أي شيء، ولابد من قانون يردع كل من يتجرأ على تقديم معلومات قانونية مغلوطة، ويعتدي على حقوق الآخرين بلا أي مسوغ قانوني أو سند شرعي، ويقع على هيئة المحامين دور هام في ضبط هذا السلوك، ومنع الفتاوى القانونية المضللة سواءً عبر وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي.
لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص
ويشير المستشار القانوني، عبد العزيز عبدالله بن عبيد، إلى اختلاف المختصين في توصيف بعض الوقائع والأحداث بالمخالفة للنظام، لكن البعض قد يغالي في تجريم المسلك الإنساني، ويجتهد في إيجاد تكييف وقائعه ليقع تحت طائلة القانون ! الاجتهاد القانوني إما أن يكون مبنيًا على قواعد قانونية ونصوص محددة تجرم الواقعة وتصف الفعل بالمخالف أو الجريمة وإما لا ؟! وفي حال عدم توفرها؛ فإن الأصل في الإنسان البراءة؛ لذا يجب على وسائل الإعلام الحرص على استضافة أهل الاختصاص والخبرة.
هل إخراج شخص من الواتس جريمة ؟!
يؤكد الدكتور محمود حمزة المدني ـ محامي ومستشار قانوني ـ أن الأصل في تصرفات الناس والأفراد هي (الإباحة)، ولا يُقيِّد تصرفاتهم إلّا القواعد والقوانين التي تنظم أمورهم وسلوكياتهم، فالقاعدة تقول: (لا جريمة إلّا بنص)، ومعنى ذلك أن الأشخاص لهم مطلق الحرية في التصرفات التي يقومون بها، ولا يمنعهم من ذلك إلا تحريم شرعي أو نص نظامي، وعلى هذا الأساس لا نستطيع القول بأن (إخراج فرد من مجموعة واتس أب) يعتبر جريمة تندرج تحت المادة 5/3 من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، وأن مرتكبها يقاضى بالسجن مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على 500 ألف ريال، بحجة أن ذلك يعتبر تشهيرًا بالآخرين، وإلحاق الضرر بهم ويدخل في الازدراء!
نحتاج لوقفة قانونية !!
ويشدد المدني على أهمية وجود وقفة قانونية وهي: أين النص النظامي الذي يجرم هذا الفعل في نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية؟! ثم كيف تحقق (الركن المعنوي) و(الركن المادي) في هذه الجريمة؟! والأهم من ذلك كله أين (القصد الجنائي)، وكيف يمكن إثباته عند إخراج فرد من مجموعة واتس أب! فلا يوجد جريمة إلّا ولها شروط وأركان لابد أن تتحقق، وقبل ذلك كله نص صريح بالتجريم. أما إدخال شخص في مجموعة أو إخراج شخص من مجموعة؛ فهي من التصرفات العادية التي تخضع لقواعد الذوق والأدب والاحترام فقط، ولا تخرج عن هذا الإطار.
لابد من وضع حد لفوضى الفتاوى القانونية !
ويرى المدني أنه لا يجوز أن نلعب دور (المُشرِّع)؛ فنقوم بتكييف وتوصيف الجرائم على هوانا دون سند شرعي أو نظامي صحيح، لأن ذلك يبثُّ اللغط لدى عامة الناس، ويُدخِل عليهم التلبيس في نشر المعلومة المغلوطة، وبلا شك فهناك فرق بين توعية الناس بالنظام الصحيح لاستيعابه واتباعه، وبين نشر آراء غير صحيحة وغير دقيقة!!
التوسع في التجريم يضر بالمجتمع
يقول المحامي، عمر بن سامي زاهد، لا يمكن اعتبار أي فعل بأنه جريمة وذلك استنادًا إلى المادة ٣٨ من النظام الأساسي للحكم، والتي تنص على أن “العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص شرعي، أو نص نظامي، ولا عقاب إلا على الأعمال اللاحقة للعمل بالنص النظامي”، لذلك فإننا نأمل من الإخوة القانونيين تحري الدقة في طرح المعلومات؛ لأن التوسع في التجريم قد يؤدي إلى تدفق عدد كبير من القضايا إلى الجهات المختصة دون سند صحيح مما يعتبر إشغالًا لهذه الجهات وإهدارًا لوقتهم بدون حق، علاوةً على أنها قد تؤثر سلبًا على علاقات الاشخاص، والمجتمع تجاه بعضهم البعض.
الأصل حسن الظن وليس الريبة
وقال المحامي حسن بن ناصر الأسمري، متى توافر الركن المادي والمعنوي في الجريمة وقع التجريم واستحق العقاب، وفي المقابل لا يجوز التوسع في جريمة مثل التشهير الذي لا يوجد تعريف صريح له في الشرع والنظام أمر خطير؛ فالشرع والقانون لا يتشوف لإدانة الناس ومعاقبتهم بل يميل لحسن الظن والعفو، ولذلك وجِد مبدأ حسن النية والأصل براءة المتهم، وأن الشك والريبة لا يصلحان لتقرير الاتهام، والأحكام الجنائية تبنى على الجزم واليقين لا على الظن والتخمين؛ ولذلك لابد من توافر الأدلة على سوء النية وتحقق الأذى ووقوع الضرر. من هذا المنطلق يجب ألا نغرر بالمجتمع بمعلومات قانونية مزيفة لا تستند على أساس سليم في الشرع والنظام.
ظاهرة دخيلة على أصحاب الروب الأسود
يقول الدكتور محمد بن أحمد المقصودي ـ أستاذ القانون بمعهد الإدارة العامة في الرياض ـ: قام بعض المحامين وبشكل غريب في الفترة الأخيرة بتفسير نصوص القوانين بشكل خاطئ وشاذٍ، وتوسعوا في خلق جرائم لم يقصدها المُنظم، وهم بذلك تجاهلوا أن دارس القانون بصفة عامة سواء كان مشرعًا أو فقيهًا أو قاضيًا، لا بد أن يُخضع النص القانوني لخطوات منهجية وأسس علمية لتحليله، وبالتالي سهولة تطبيقه وتحقيق الغاية التي شُرع من أجلها؛ حيث يفترض أن تأتي القواعد القانونية في صيغة جامعة مانعة موجزة تحتاج إلى فهم حقيقة معناها؛ لذا يقصد بتحليل النص القانوني إجراء دراسة متفحصة له تنطوي على تفكيك الفرضيات التي يتضمنها لمحاولة استيعابه، وتحديد المقصود من ورائه.
مراحل تحليل النص القانوني
ويمر تحليل النص القانوني كما يعرض الدكتورة المقصودي بعدة مراحل تبدأ بالمرحلة الأولى، وهي محاولة فهمه من خلال القراءة المتعددة المتأنية المتأملة له لإمكانية تحديد طبيعته القانونية من حيث انتمائه لأي قسم من أقسام القانون ولأي فرع من فروعه، وهل هو من القواعد الآمرة أم المكملة، ومعرفة تموضعه ضمن المنظومة التشريعية التي صدر من خلالها، ثم تحديد مصدره هل هو نص دستوري أم تشريعي، وإذا كان نصًا تشريعيًا؛ فهل ينتمي إلى التشريع العادي أم التشريع الفرع، وكذلك تحديد تاريخ صدوره للإحاطة بالتعديلات التي أجريت عليه -إن وجدت- وأثرها القانوني.
يلي ذلك المرحلة الثانية، وهي دراسة بنية النص من مصطلحات وفقرات، ومقاطع لتحديد المصطلحات المفصلية والكلمات المفتاحية التي يعتمد عليها لمعرفة طبيعة هذه المصطلحات سواءً كانت تجارية أو اجتماعية أو اقتصادية، وكذلك دراسة البنية اللغوية للنص القانوني من كلمات وتعابير مختلفة.
ثم تأتي المرحلة الثالثة، والتي تعتمد على محاولة القائم بالتحليل فهم الطريقة التي تم صياغة النص بها، ولن يتمكن من ذلك إلا إذا كان على علم جيد بالطرق المتعددة لصياغة النصوص القانونية، سواءً كانت هذه الطرق مادية كطريقة التعبير بالأرقام أو باستخدام شكل معين ينتج التصرف القانونى أثره من خلاله، أو طريقة التعبير بالإجراءات والشروط المحددة لإعمال حكم القاعدة القانونية، كما قد تكون الصياغة بإحدى الطرق المعنوية كالوضع الافتراضي حول تقرير القرائن القانونية أو استخدام المجاز القانوني عبر الحيل القانونية.
وأخيرًا نأتي إلى المرحلة الأخيرة، وهي محاولة تحليل النص القانوني من خلال استخدام الطرق المختلفة المتبعة في تفسير القواعد القانونية سواء كانت طرق تفسير داخلية للنص القانوني عن طريق عباراته وألفاظه أو عن طريق روحه وفحواه، والتي تستخلص من دلالة إشارة النص أو دلالة مفهومه كالاستنتاج بمفهوم الموافقة أو الاستنتاج من باب أولى أو الاستنتاج بمفهوم المخالفة، أو باتباع طرق التفسير الخارجية كالتقريب بين النصوص أو محاولة فهم حكمة التشريع أو الاستعانة بالأعمال التحضيرية والوثائق الرسمية المتعلقة بمراحل سن التشريع أو المصادر التاريخية التى استقى منها المشرّع مادة النص القانوني.
تلك المنهجية تمكن القائم بتحليل وتفسير النص القانوني من فهم متعمق ودقيق له للوصول إلى عمق معانيه مما يتأكد معه سلامة تطبيقه تحقيقًا للعدالة الناجزة، وتحقيق مبدأ لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص، والتي يمثل أساس الشرعية القانونية.
شهوة التجريم مذمومة؟!
ويرى الدكتور أصيل بن ساير الجعيد ـ أستاذ القانون الجنائي ـ أن بعض المحامين يمارسون ما يُسمَّى شهوة التجريم فيجرمون أي شيء رغم أن للقانون الجنائي قواعد واضحة تماما فلا جريمة ولا عقوبة إلا بنص صريح وهذه الشرعية الجنائية مبدأ دولي متفق عليه كما أن التوسع في التجريم مذموم؛ لأن القانون الجنائي يتعلق بحريات الأفراد في المجتمع؛ فلو أطلقنا شهوة التجريم هكذا لخاف الناس من الخروج من بيوتهم خشية أن يتم اتهامهم سواء من قبل أفراد أو جهات لهذا يوجد القانون الذي يضبط سلوك الأفراد والجهات في المجتمع و يطبق على الجميع دون تمييز. ربما تعود أصول شهوة التجريم هكذا لخصيصة ثقافية قانونية نختص بها، وهي جرائم التعزير المرسل، وهي تلك الجرائم التي تعطى للنيابة العامة إعطاء الوصف الجنائي لها، وللقضاء الجنائي إيقاع عقوبات يقدرها القاضي، ومع تعقيدات الحياة؛ فإن جرائم التعزير المرسل تخالف قواعد القانون الجنائي في مبدأ الشرعية الجنائية ومبدأ عدم التوسع في التجريم كما أن سلطات منح وصف جنائي لتصرف ما وإعطاء القاضي الجنائي حرية تقدير أي عقوبة تقريبًا هي سلطات تشريعية وليست قضائية وذلك أيضًا يُعد تعديًا لبمبدأ قانوني آخر وهو مبدأ الفصل بين السلطات في الدولة، وتلك السلطات هي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية إلى السلطة القضائية وتتبع لها كافة المحاكم واللجان. لهذا فقد أعلن سمو سيدي ولي العهد عن مشروع تطوير منظومة التشريعات المتخصصة، وسوف يكون هناك نظام جزائي للعقوبات التعزيرية مفصل منعًا لكل ما تحدثت عنه من سلبيات.
أعوان القضاة مشغولون عن أنسنة القضاء؟!
ويشدد الجعيد على ضرورة أنسنة القضاء الجنائي مضيفًا ليس على القاضي في الأصل إيقاع العقوبة المناسبة؛ فهذا من عمل المشرع السعودي الذي يتمثل في الجهات التشريعية، ومنها مجلس الشورى؛ لأن القاضي -إن بحث- في كل قضية عن عقوبة مناسبة؛ فإنه يخطئ أكثر مما يصيب، ويخرج عن إطار عمله القضائي الجنائي الذي هو في المقام الأول تطبيق النص على القضية المعروضة أمامه؛ وبهذا فإن التداخل الحالي بين فكرة عمل القاضي والفقيه والمشرع في عمل القاضي الجنائي هو فكرة لا تتناسب مع العصر، وتضع على القاضي ضغط عمل كبير.
هناك مسميات وظيفية لباحثين قانونيين وشرعيين، وهناك من يعمل في المحاكم الجزائية (الجنائية) بالمؤهلات المناسبة إلا أنهم يعملون حاليًا في الاتصالات الإدارية في الصادر والوارد في غير اختصاصاتهم، ولا يقدمون يد المساعدة للقاضي فيما يُسمى أعوان القضاة الذين لا بد أن يكون لهم سلم خاص.
الترويج للشائعات القانونية من المجرمات
ويقول ماجد قاروب ـ المحامي والمستشار القانوني ـ: يهدف نظام مكافة الجرائم المعلوماتية إلى حفظ القيم والمبادئ التي تصون المصالح الأمنية والاقتصادية والأخلاقية بما في ذلك الأمن والاستقرار المجتمعي؛ مضيفًا أن معظم الجهات الأمنية والحقوقية في المملكة، ومنها النيابة العامة وأمن الدولة أكدت على الاستخدام الصحيح والسليم لوسائل التواصل الاجتماعي؛ لتكون وفق صحيح القانون والقيم والأخلاق، وألا يتم استغلالها في الترويج للشائعات أو جمع وجلب الأموال إلى غيرها من الممارسات التي يكون فيها خروج على القانون والقيم ودعمًا للإرهاب وتمويلهه أو النصب والاحتيال، وكلها من المجرمات والمحرمات بما في ذلك الترويج للشائعات في كل المجالات الصحية والقانونية والاجتماعية إلى غيرها من الأفعال التي تُحدث البلبلة والشوشرة، ومن شأنها التأثير على الأمن والاستقرار الأمني والاجتماعي والاقتصادي، وعلى الجميع الحذر من إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو التصريحات الإعلامية التي يكون الغرض الأساسي منها الشهرة على حساب القيم والمبادئ أو الترويج للسلع والمنتجات بصورة تخالف تعليمات التسويق الإلكتروني المرخصة من وزارة التجارة، وتحت رقابة هيئة الاتصالات، وهذا يُحتِّم على الجميع حسن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ لتكون فقط في خدمة الصالح العام والمنفعة بعيدًا عن كل ما يخالف القانون، والقيم ومبادئ المجتمع الأساسية.
لا يمكن السطو على دور المشرع
يقول المستشار القانوني الدكتور ايمن الرفاعي، ان المادة (38) من النظام الأساسي للحكم نصت “بأن لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص شرعي أو نص نظامي” فعليه لا يمكن أن يعد أي فعل جريمة لم يجرمها الشرع أو النظام، كما لا يمكن فرض أي عقوبة لم يجعلها النظام من العقوبات التي يجب إنزالها بحق الجاني.
فمبدأ لا عقوبة إلا بنص شرعي أو قانوني من المبادئ الأساسية في كافة الأنظمة والتشريعات، وظلت القوانين تحترم مبدأ تشريع العقوبة وتصنيف الجريمة وسلطة التشريع والعقوبة بيد المشرع أو من يفوضه في حدود الأنظمة واللوائح.
فلا يمكن تجريم فعل لم يجرمه الشرع أو النظام، حتى وإن رأت المحكمة تعزير شخصاً ما بسبب إرتكابه فعلاً رأت بتقديرها أنه مخالف لابد أن تستند في إيقاع العقوبة على نص يخولها ذلك. لذا كل من يحاول أن يجرم فعلاً بخروجه عن نص القواعد القانونية لابد ان يعرف أن هناك مشرع هو من يقوم بهذا الدور فلا تأخذ دور المشرع والتزم حدود القانون.







4 تعليقات