تحقيقات وتقارير

خبراء القانون: ثغرة في نظام الجرائم المعلوماتية!!

تفتح صحيفة “مكة” الإلكترونية من خلال هذا التحقيق ملف جريمة “التشهير” ضمن سلسلة التحقيقات الصحفية التي تستهدف نشر الوعي الحقوقي، والارتقاء بالثقافة القانونية، ونطرح على خبراء القانون ورجال العدالة هذه الأسئلة: لماذا حتى الآن لا يوجد تعريف لمفهوم “التشهير” في نظام الجرائم المعلوماتية، ولا توجد لائحة تنفيذية للنظام؟ هل يحق لأي فردٍ ادعاء ما يشاء، واتهام الآخرين بـ”التشهير”؟ ماهِيَة جريمة “التشهير” التي أعدَّها نظام الجرائم المعلوماتية جريمة جنائية وهل كل نقد بناء يُعتبر تشهيرًا؟ وأسئلة أخرى هامة نحاول من خلال هذا التحقيق الصحفي الجريء البحث عن إجابات قانونية لها فإلى الموضوع:ـ

د. تميم التميمي

التوسع في الاتهام بالتشهير؟!
يقول الدكتور تميم بن عبدالله التميمي المستشار القانوني: نظام مكافحة جرائم المعلوماتية في المادة الثالثة الفقرة الخامسة نص على التشهير بالآخرين، وإلحاق الضرر بهم. فالتشهير معناه إظهار الشخص – حقيقيًا كان أم معنويًا – بأمر معين، وإذاعة السوء عنه للناس. مما يتضح أن التشهير جريمة يرتكبها الجاني في حق المشهر به عبر الشبكة المعلوماتية، ويتمثل ذلك بالاعتداء على سمعة المجني عليه، وذكر السوء عنه؛ سواء أكان ذلك صحيحًا أم لا، مما يوقع المجني عليه في ضرر جسيم.
ويشير التميمي إلى أن جريمة التشهير بالغير لا يُعتد بها إلا بتوافر عنصر العلانية أمام الغير عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، مؤكدًا أن كل ما يُكتب لا يُعتبر من قبيل التشهير؟ فالتشهير هو ما يمس كرامة الإنسان وحقوقه والتعدي عليه بإذاعة السوء عنه من أجل النيل أو التشفي منه في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، مع تحقق ركني جريمة التشهير وهما المادي، والمعنوي.

د. أصيل الجعيد

ثغرة أُسيء استغلالها؟!
ومن جانبه يقول الدكتور أصيل بن ساير الجعيد ـ أستاذ القانون الجنائي: يُعرّف التشهير لغةً بالنشر والإذاعة إلا أن قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية لم يعرفه في صدر القانون، وبالتالي فالقضاء درج على معاقبة الأشخاص بالتشهير على إذاعة أي خبر سواء كان صحيحًا أو خاطئًا؟ وهذا يحد ولا شك من حرية التعبير عن الرأي، والتي هي محمية في القانون السعودي بالأمر الملكي الكريم رقم ٢٤٠١٣ وتاريخ 12/4/1441هـ، وهذه الثغرة لا بد من معالجتها.

تشهير أم حرية تعبير؟!
ويشدد الجعيد على الفارق الكبير بين حرية الرأي والتعبير، والنقد البناء، وبين الإساءة وتشويه السمعة منتقدًا التوسع في الاتهام بالتشهير ومضيفًا أن كل واقعة لا بد أن يتم تبيانها في قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية، فقَول الحقيقة التي يتم تداولها في الصحف لا يمكن أن يكون تشهيرًا بل إن مجلس الشورى أصدر قرارًا مُؤخرًا؛ ينتقد توسع الجهات الحكومية في استخدام قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية لمنع المواطنين من حقهم في تقييم أدائها، وتوجيه النقد لها، وهو حق أساسي مكفول لهم، وتسبب ذلك في إيقاع عقوبات بالغرامة والسجن لمجرد تغريدة تنتقد أداء جهاز حكومي، أو تقييم مستوى خدماته، وهذه مبالغة، وتضييق على الناس لعدم إيصال صوتهم لصناع ومتخذي القرار.

د.عبدالرحمن الخليفي

14 مليون مغرد في المملكة
يقول الدكتور عبدالرحمن بن عبدلله الخليفي ـ عميد المعهد العالي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجامعة أم القرى: ظاهرة التشهير بالآخرين من الظواهر الجديرة بالدراسات الجادة والمعمَّقة لمعرفة أسبابها، ودوافعها، والعوامل التي أسهمت في تفاقمها، والوقوف على آثارها وعواقبها الخطرة على أفراد المجتمع، وهل كل ما يُكتب في هذا الإطار وعبر وسائل التواصل الاجتماعي يُعد تشهيرًا مُكتمل الأركان؟ وما الأسلوب الأمثل والأدق لمعرفة التشهير في ظل ما يتم تداوله ونشره؟ لا سيما وأن عدد مستخدمي تويتر مثلًا كأكثر وسائل التواصل الاجتماعي شيوعًا في المملكة يتجاوز ١٤ مليون مستخدم تقريبًا، والتشهير صنفه نظام الجرائم المعلوماتية على أنه جريمة جنائية، وبالتالي وجب التحقق والتثبت، والتفريق بين التشهير وبين حرية التعبير والنقد البناء .

الارتقاء بالوعي والثقافة القانونية
ويشدد الخليفي على ضرورة التأكيد على الآباء والأمهات والجهات المختصة في أجهزة الدولة ووسائل الإعلام بدور فاعل في توعية الأفراد بأخطار وأضرار جرائم التشهير وسوء عاقبتها في الدنيا والآخرة مع بيان حكم الشريعة الإسلامية في بعض أنماط التشهير الخاطئة التي يُقدم عليها البعض بدواعي الإصلاح أو النصيحة أو الغيرة على الدين.

 

المستشار عبدالعزيز بن عبيد

انتهازية ضعاف النفوس!!
ويؤكد المستشار القانوني عبدالعزيز عبدالله بن عبيد أن التوسع في التجريم نوع من الجهل بالنظام أو سوء نية عن قصد وثغرة النظام بعدم تعريف “التشهير” قد يستغلها البعض لتصفية حسابات شخصية، والادعاء بجريمة مثل التشهير على الغير رغم عدم توفر ركني الجريمة وهما الضرر المادي والقصد الجنائي؟!
وأشار ابن عبيد إلى ضعاف النفوس الذين يسعون لاستغلال الثغرات في أي نظام سواء للتهرب من العقوبة أو لتجريم الأفعال غير المجرمة، موضحًا أن التشهير الذي هو بمعنى الانتشار والذيوع يدور بين ما هو مُباح وما هو مُجرم؛ حيث يختلف التوصيف من واقعة لأخرى فمثلًا حينما تكتب رأيًا في موقع إلكتروني لجهة تطلب رأي المستفيدين والعملاء لتقييم مستوى خدماتها أو بضاعتها أو موظفيها؛ فهذا لا يعتبر تشهيرًا كما أن الشخصية العامة عُرضةً للانتقاد المباح الهادف. مادام في حدود النظام والعُرف.

القصد الجنائي…الركن الغائب؟!
ويرى ابن عبيد أنه ولإثبات جريمة التشهير، وما ترتب عليه من ضرر يجب الاعتماد على معايير منطقية، وليس بجُمل فضفَاضَة أو عبارات مُرسَلة ! مضيفًا لو أخذنا مثالًا “تويتر” كأحد أشهر مواقع التواصل الاجتماعي في المملكة؛ فقد وضع مؤشرات لقياس مدى التفاعل مع التغريدات المؤثرة مثل: عدد التعليقات وإعادة التغريد والإعجابات فهذه تُعد معايير موضوعية مجردة لقياس مدى ذيوع التغريدة من عدمه ! وكذا عدد متابعي الحساب فلا يمكن المساواة بين حسابات مشهورة لمؤثرين وأخرى تكاد تكون شخصية فقط؛ لذا ليس كل ما يُكتب في مواقع التواصل ينطبق عليه وصف التشهير أو يُعتبر جريمة جنائية، وهذا الخلط سبب ارتفاع معدلات القضايا وازدحام المحاكم بهذه النوعية من القضايا؛ لذا من الضروري وضع لائحة تنفيذية لنظام الجرائم المعلوماتية، وتعريف كلمة “التشهير” وماذا يقصد به؟!

 

المستشار عبد الله العنزي

ما أسباب ازدحام المحاكم بجرائم التشهير ؟
ويشير المستشار القانوني عبد الله بن صالح العنزي إلى ارتفاع معدل جريمة التشهير الفترة الأخيرة؛ وخاصةً بسبب مواقع التواصل الاجتماعي مرجعًا ذلك لعدة أسباب ومن أبرزها؛ قلة الوعي، وضعف الثقافة القانونية بجريمة التشهير، وعقوباتها وآثارها القانونية وتداعياتها على الفرد والمجتمع، وأيضًا سهولة انتشار وإذاعة الخبر، مشيرًا إلى أن التعويض بالحق الخاص عن جريمة التشهير له أركان يجب توافرها؛ لأن القضاء لايعوض ما لم يكن هناك إثبات للضرر، وتزداد العقوبة كلما زاد حجم الضرر الذي يتم إثباته أمام القضاء.

رسالة لمشاهير مواقع التواصل
ويقول العنزي: غالبًا ما تقترن جريمة التشهير بجريمة أخرى مثل: السب والقذف، وقد حرمت الشريعة الاسلامية هذا الفعل، مطالبًا كل من وقع عليه الضرر بسبب جريمة التشهير التقدم بشكوى رسمية لمراكز الشرط أو النيابة العامة للبدء بإجراءات رفع الدعوى العامة، ومن ثم الاستمرار برفع مطالبة بالحق الخاص أمام المحكمة المختصة.
وينصح العنزي مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي وغيرهم عدم الاستهزاء بالآخرين وتشويه السمعة والتشهير؛ لأنها جريمة تتسبب بدخول السجن، ودفع مبالغ طائلة من الغرامات والتعويض .

 

د.نايف الظفيري

النظام يفتقر للائحة والتعريف؟!
ويقول الدكتور نايف بن حابس الظفيري ـ المحامي والمستشار القانوني: التشهير كمصطلح قانوني؛ يتناول جميع أشكال إساءة التعبير التي تجرح كرامة الشخص المُشَهَّر به، ويعتبر انتهاكًا للخصوصية، ويُقصد به إيذاء سمعة شخص ما باستخدام الصور والإشارات أو بث الأخبار، ويعد التشهير جريمة جنائية كما نص نظام الجرائم المعلوماتية في حالة العلانية وتحقق الضرر، ويشير الظفيري إلى ما يحمله التشهير من إثم كبير؛ لأنه من باب الاعتداء على الناس، وإشاعة الفتن، ونوع من الإفساد في الأرض؛ لذا فالاتهام بالتشهير ليس بالأمر الهيِّن ولابد من ضبطه بتحقيق ركنيه وهما الركن المادي والركن المعنوي، ويقصد به تحقق القصد الجنائي، مشيرًا إلى أهمية وضع لائحة تنفيذية لنظام الجرائم المعلوماتية، ووضع التعريف الشامل الجامع المانع لمفردة “التشهير”، وما يقصد بها؟ وما هي آليات إثباتها؟

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ماكتبه الدكتور نايف الضفيري بارك الله به وبعلمه هو المتطق الصحيح فحقوق وكرامة الاخرين تحفظها انظمة الدول العادلة ونحمد الله ان دولتنا تسن مثل هذه الانظمة الحافظة لحقوق كل من يقيم على أرضها المباركة بإذن الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى