منتدى القصة

“طرق متفرعة”

قصة قصيرة

ليلة مظلمة اخرى تمر علّي، قمرها هجر السماء، والرياح عصفت بالكون، أسمع صوت الأوراق وأكياس البلاستيك وهى تعلو وتطير من شدة الرياح، أقول لنفسي ياليتني أحد تلك الأكياس لأستطيع التحليق في الهواء والنظر لذلك الكون المظلم من أعلى لَعَلي أجد إجابة لذلك الوجع الكامن في أعماق روحي، عُدت بعقلي لغرفتي الصغيرة أتأمل ذلك السرير الصغير الذي لا يتناسب مع حجم جسدي وتلك الطاولة في الزاوية الأكثر ظلامًا عليها مصباح صغير والعديد من الدفاتر والكتب القدبمة أصاب بعضها العطب.
واصفرت الأوراق وكأنها تعاني من خريف قاسي القلب لا يدرك أي معنى للرحمة، أسمع أنينها كل يوم ولا أجد الطريق لمداواتها، الأرض عارية إلا من ذلك السجاد المتهالك الذي يكشف اكثر مما يستر والكرسي الوحيد أضعه في مواجهة النافذة الصغيرة أراقب العصافير التي تسكن الشجرة العتيقة، قبل أذان الفجر تبدأ العصافير في التغريد وكأنها تعكف طوال الليل على تلحين تلك المقطوعة الفريدة التي تعزفها كل صباح قبل أن تنتفض بصورة جماعية وكأنها كتيبة من الجنود تتبع أمر القائد بصرامة منقطعة النظير تتفرق في طرق متفرقة، لحظات وينقطع الصوت،

تطلق العنان لجناحيها وتحلق مبتعدة عت تلك الشجرة.
لم يعد هناك ما يشتت تفكيري. أحمل الكرسي الوحيد وأضعه أمام الطاولة. أجلس وأفتح الدفتر على الصفحة التي أدون بها أفكاري، أحاول الكتابة في روايتي الأولى أو كما أطلق عليها مشروعي المؤجل، لم يكن مؤجلا لأسباب واضحة ولكني كنت دائما أجد الأسباب والعلل حتى لا أكمله، لا أجد الوقت المناسب، الأفكار تتسرب من بين يدي كما يتسرب الماء، لم تنضج موهبتي بعد، في روايتي العديد من الأفكار يجب أن أتمهل حتى تخرج للنور بالشكل اللائق، مبرراتي جاهزة على الدوام. فور السؤال يكون الجواب حاضرًا وكانه حقيقة لا تقبل مجالا للشك. قد تبدو بعض أعذاري طبيعية فكلما جلست إلى الطاولة وفتحت دفاتري وفردت أوراقي وجدت أن نهر الكلمات يجف فجأة. أسرع بكتابة بعض مما علق في الذاكرة ولكنه دائما نورا يسيرا لا يكمل بضعة سطور لا تسمن ولا تغني من جوع.
فالكتابة وريد الحياة بالنسبة لي، غذاؤها الذي يمدني بالطاقة كي أواصل الطريق، ولكني أصبحت حالة ميؤوسا منها، لا اعلم اين البداية، وإن تخطيت البداية فكيف أكمل وإلى أين أصل؟
دائم التفكير في الكيفية من دون أن أحاول تعكير صفو تلك الورقة ناصعة البياض. أسمعها من حين إلى آخر تناديني تحثني على الكتابة، تنقل لي شكوى القلم الذي جف حبره والقلم الرصاص يشتاق لكتابة الهوامش كسر سنه وكل ذلك ذلك يحدث وأنا على حالتي من الصباح الباكر، وحتى مغيب الشمس أعود من أحلام اليقظة التي أسرتني طول النهار لأسمع صوت العصافير، ولكنها لا تنشد لحنها المعهود بل تقترب زقزقتها من البكاء، أقوم متكاسلا بضع خطوات للنافذة، وقفت أنظر ما أصاب العصافير ولكن المشهد كان مثيرا ليس لي فقط ولكن للمارة في الشارع، الكل وقفوا ينظرون إليها وهي تطوف في حلقات حول الشجرة ولكنها لم تكن كعهدها بها بل ملقاة على الارض، يحاول بعض العمال من الوحدة المحلية رفعها إلى إحدى العربات ولكنهم يعجزون عن ذلك لحجمها الهائل، العصافير تبكي عشها، فلقد ولدت هنا وعاشت هنا ولا تعرف عنه بديلا، جميع النوافذ مفتوحة على مصرعيها تتابع بكاءها والحركات الغاضبة وكأنها على وشك الانقضاض على قاتل الشجرة، ثواني معدودة وعادة الحياة إلى طبيعتها، أغلقت النوافذ، انفض الجمع من الشارع، مسحت عيني فوجدت الدموع تنهمر منهما.
نثرت بعض الحبوب وكانها دعوة مني لاستضافة تلك الطيور الحزينة، جلست على الكرسي وأمسكت بالقلم وأنا أفكر هل فهمت العصافير دعوتي؟ هل ستستجيب لي وتؤنس وحشتي وأساعدها أن تكون قريبة من المكان الذي أحبته؟ لا اتصور الوجود في تلك الغرفة الموحشة دون وجود أصواتها، أخذ القلم يكتب ويكتب ألقى بكل ما فيه من حبر معانقا الاوراق، جف نبضه فتوقف وإذا بالعصافير تملأ الغرفة تنشد معزوفتها الجديدة بصوت خافت وانا انهيت روايتي، وعند أذان الفجر تفرقت العصافير في طرق متفرعة للابد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: