
حوار – محمد بربر
طوال ليالي شهر رمضان المبارك، تستضيف صحيفة مكة الإلكترونية، نخبة من كتّاب الرأي وأهل الأدب، لتسليط الضوء على رحلتهم مع القلم، والاستفادة من تجاربهم، يسعدنا أن نكون مع القاص والروائي محمد فايز حجازي الذي صدر له إلى الآن ست مجموعات قصصية آخرها مجموعته (أنتيكات – أسفار عن الفقد والحنين)، وأشاد بكتاباته كثير من كبار النقاد، وإلى السطور التالية:
– حدثنا عن بداياتك في الكتابة، كيف كانت؟
وقعت في غواية القراءة وفتنة الكتب أمام مكتبات سور السيدة زينب لبيع الكتب القديمة، الذي كنت مع بداية دراستي الإعدادية أتردد عليه بصورة دائمة، حينها أدمنت القراءة فقرأت لأساطين الأدب والفكر المصريين والعالميين، للحد الذي جعل القاص محمد جابر غريب صاحب ندوة قنديل أم هاشم الأسبوعية في رحاب السور، أن يدعوني للانضمام إلى الندوة التي شاركت فيها بنشاط وعرضت تجاربي القصصية آنذاك على الغيطاني والقعيد وكبار الكتاب والصحفيين الذين كانوا ضمن حضور الندوة، وقد شجعوني كثيرًا، حتى أن الأستاذين ربيع السيد وجابر غريب، عرضا عليّ العمل في المكتبة في عطلاتي الدراسية، وبالفعل كنت أعمل وأقرأ في ذات الوقت حتى التحقت بكلية الهندسة جامعة القاهرة.
– وهل توقف نشاطك الأدبي مع التحاقك بهندسة البترول؟
بالعكس تمامًا، فمع شعوري بأن الهندسة التى تحتاج دراستها إلى مشقة وجهد قد تبعدني عن طريقي الأدبي، فقد أقمت ندوة أسبوعية بموافقة الإدارة يُعرض فيها إبداع الطلبة الأدبي وحققت نجاحًا ممتازًا، مما حدا بالإدارة أن تصدر لنا بصورة دورية مجلة وكتيبًا للإنتاج الأدبي، وكان لي آخر حوار مسجل ومنشور بيني وبين فضيلة الإمام متولي الشعراوي قبيل وفاته.
-انتهيت من كتابة رواية بعنوان (الأقدام السوداء Pieds Noirs)، ومجموعة قصصية بعنوان (ترزي لكل الأغراض) أخيرًا.. لماذا كانت بداياتك الحقيقية مع كتابة القصة تحديدًا؟
القصة في منظوري، هى أقرب القوالب الأدبية لإحداث تأثير نفسي سريع وقوي على المتلقي، نظرًا لأنها القالب الأكثر تكثيفًا ورمزية، فتنت بقصص تشيكوف وكارلو كاسولا وإدريس ومحفوظ وغيرهم فحاولت مجاراتهم بطريقتي وأسلوبي.
– تأتي نهايات قصصك صادمة وغير متوقعة.. لماذا؟
أؤمن بأن الأدب إن لم يكن لديه القدرة، على إحداث صدمة قوية وأثر ما، يستفز المتلقي ويحركه بغير وعظ أو مباشرة، فإنه يفقد الكثير من فنياته ويقترب أكثر إلى الخطابة والوعظ المباشر.
– ولماذا تتبنى قصصك نظرية النص المفتوح؟
لابد للكاتب أن يفسح الطريق للمتلقى المثقف كى يشارك معه في العمل بتأويله وتحليله، مع عدم الإخلال بوضوح النص حتى للقاريء العادي، وهذه هي براعة الكاتب، تلقيت في بعض قصصي أكثر من ثلاثة تأويلات لنفس القصة، لم أقصد أيًا منهم.
– ولماذا لا تجد القصة نفس الرواج الذي تلاقيه الرواية في الوقت الحاضر؟
رغم أن القصة بطبيعتها تحتمل الرمزية وكلما كانت رسالتها سلسة وغير مباشرة، أحدثت تأثيرًا أعمق، ولكن مع الأسف بعض الكُتّاب الحاليين يقعون في شرك الرمزية الشديدة، التي ربما تصل لحد الطلاسم التى لا معني لها، والبعض الآخر يستخف بالقصة فيسرد حدثًا أو واقعة سطحية أشبه بحكي لا هدف له ولا عمق إنساني أو تأثير نفسي في ثناياه. علينا أن نسأل لماذا تعيش بيننا كلاسيكيات القصة لإدريس وتشيكوف وغيرهم إلى الآن، حتى أن مقاطعها تجوب وسائل التواصل الإجتماعي، أظن لأنها كانت صادقة تمس أعماق النفس بعيدة عن الطلاسم والسطحية التي يلجأ لها أنصاف الكتاب ممن يصرفون المتلقي عن القصة.
ما هي طقوس الكتابة لديك؟
ليست للكتابة طقوس ثابتة لدي، وانما هي حالة تحتويني تماما -أعني حالة القصة وجوها النفسي وتأثيرها على عقلي الباطن- فبمجرد أن تنضج القصة فنيا وتستوي داخل عقلى الباطن والظاهر معا، استغرق في كتابتها وقد أكون حينها سائرا في شارع، أو قائدا للسيارة أو أهم بالنوم، فلا أجدني إلا والفكرة تنتزعني مما أنا فيه انتزاعا فأنفصل حينها عما أنا فيه لأكتب على أية حال…
– كيف تتجلّى صورة المرأة في قصصك ؟
المرأة في قصصي هي الأنس والدفء والوطن، ففي قصة الجنة المحترقة من المجموعة القصصية التي تحمل نفس الاسم نجد أنها الوطن فبطلة القصة إمرأة يتحدث عنها الجميع باختلاف ديانتهم وخلفياتهم وثقافتهم، ويراها الجميع بأنها الملاذ إلآمن والصادق لسفينة حيواتهم وتحيلنا القصة لتأويلات عدة فيما يخص تلك السيدة.. وفي قصص “ربة بيت” و”شأن يغنيه” هي الأم التي تنتصر لكل معني سامي وفي ثلاثية “هستيريا العشق والغفران” تتجلى الحبيبة والعشيقة والرفيقة وكذا في قصة “أزمة قلبية” و”حدث في الميدان” باختصار المرأة في قصصي هي الحياة بكل معانيها الدافئة والصادقة، الحياة بكل ما فيها من حب وتضحية وإخلاص ودفء
وما هي أبرز المواضيع التي تهتم بها في كتاباتك؟
لا أعتقد أن الكاتب الصادق يستطيع أن يوجه كتاباته إلى مواضيع بعينها، وإلا أصبح كمن يؤدي مهمة تخلو من صدق الشعور وحقيق الأحاسيس، إنما هي مواقف أو قضايا تؤثر فيه ، وتعمل بها نفسه حتى تختمر في عقله الواعي والباطن معا، فيترجمها إلى كلمات لابد لها أن تلامس ذات الشعور لدى المتلقي بصدق تام..
– وأي الكتاب قد تأثرت بهم؟
تأثرت بكل الكتاب المصريين الذين خاضوا تجارب صادقة، وكتبوا عن الإنسان مع اختلاف بيئته وثقافته، ما يعانيه وما يؤثر فيه، بطبيعة الحال يأتي على رأس القائمة أديب نوبل وإدريس وحقي والحكيم أما عن الكتاب العالميين فقد تأثرت كثيراً بالأدب الإيطالي على وجه العموم، فتنت بمورافيا وأمبرتو إيكو وكارلو كاسولا وجوفيردو باريزي ولويجي بيراندللوا وغيرهم الكثير..
ما هو هدفك من الكتابة؟
ليس لي هدف محدد، إنما هي محض ومضات إنسانية أثرت في شكلت وجداني وبلورت أحاسيسي، كما قال الكاتب الألماني إريك ماريا ريماك أنا لا أريد أن أعظ القاريء أو أن أقنعه بشيء أنا فقط أصف ما تعتمل به نفسي ويحركني..
هل الكتابة اليومية مرهقة للكاتب؟
لا على الإطلاق، ولكن العكس هو الصحيح، فإن ما يؤلم الكاتب ويرهقه نفسياً هو بعده عن القلم نتيجة أي من انشغالات الحياة، فلا يجد الكاتب من يبوح له أو يأتمنه على أسراره سوى الورق، الكتابة هي حياة الكاتب ومتعته الحقيقية.
نصيحتك للكتاب الجدد؟
بالطبع فإن القراءة هى زاد الكاتب الحقيقي، إلا أنني أنصح الجميع بانتقاء ما يطلعون عليه، فالكتابة السيئة تأتي من قراءات سيئة والعكس، فإن استشعرت ضحالة وتفاهة من تقرأ له فلابد من الانصراف عن تلك التجارب المهترئة فهي رغما عنك ستؤثر على كتاباتك.






