
حوار – محمد بربر
طوال ليالي شهر رمضان المبارك، تستضيف صحيفة مكة الإلكترونية، نخبة من كتّاب الرأي وأهل الأدب، لتسليط الضوء على رحلتهم مع القلم، والاستفادة من تجاربهم، يسعدنا أن نكون مع الروائي والقاص سمير الفيل، في السطور التالية:
متى بدأت رحلتك مع القلم؟
ـ بدأت رحلتي مع القلم في عام 1968، بعد حرب يونيو بعام واحد. إذ كانت فجيعتي كبيرة فيما حدث من هزيمة مدوية، رأيت أن تكون كتابتي نوعا من المقاومة لذلك كانت بداياتي في المقاهي والقرى، وتابعت ذلك خلال فترة حرب الاستنزاف ( 1969 ـ 1970).
– متى قررت أن تكتب؟
ـ كتبت في الصف الأول بمعهد المعلمين حين وجدت أن الصمت غير مناسب بعد النكسة التي هزتنا من الأعماق. في أول ندوة قدمني العم محمد النبوي سلامة في مقهى شعبي ( دعدور)، بعدها بأشهر قليلة قدمني عبدالرحمن الأبنودي في جون قمح بقرية كفر البطيخ. كان عمري وقتها 17 عاما.
– متى بدأت النشر؟ وما نوع المنشور؟ وأين؟
ـ أجريت أول مسابقة عن حرب اكتوبر بعد انتهاء العمليات العسكرية بعدة شهور. كانت قد نظمتها مجلة “صباح الخير”بالتعاون مع منظمة الشباب الاشتراكي، فازت قصتي “في البدء كانت طيبة”بالجائزة الأولى وكانت قد وظفت البرديات الفرعونية في وصف عملية القتال، وقد نشرت القصة في مجلة “صباح الخير” (8 أغسطس 1974، العدد رقم 970) كما تم استضافتي في برنامج على الناصية والتي كانت تقدمه نادية صالح بعد وقف آمال فهمي لأسباب سياسية.
-أبرز المواضيع التي تهتم بها ؟
ـ اهتممت بفكرة الحرب، وأدب المقاومة في بداياتي، وهو ما تمثل في مجموعاتي الأولى، ومنها “خوذة ونورس وحيد”، “كيف يحارب الجندي بلا خوذة ؟”، “شمال.. يمين” بعدها توقفت لتأمل ما أنجزت، وجدت لزاما على أن أعالج القضايا الاجتماعية في مدينتي دون أن أتخلى عن أدواتي الفنية التي كنت قد استخدمتها في كتاباتي الأولى خاصة زاوية الرؤية، والتقشف اللغوي، وحساسية المعالجة.
– هل لديك طقوس معينة في الكتابة؟
ـ بالطبع، فأنا لا أكتب إلا وحيدا، حيث لا أحد يتجول في البيت، أجهز كوب شاي وأرتشف الرشفات الأولى ساخنا، ولا مانع من تركه يبرد خلال عملية الكتابة، والجملة المفتاح تقودني لمسارات جمالية معينة، وكلما أنجزت عدة صفحات، أذهب للبلكونة فأراقب السائرين، وأعود بعد تأمل مساحة الأزرق في الفضاء.هذا يمنحني صفاء نفسيا يصاحبني خلال عملية الكتابة. أكتب على ورق أبيض مسطر بأقلام حبر ثم صرت أكتب بلوحة المفاتيح وباستخدام “الماوس”.
– هل الكتابة بالنسبة لك مهنة؟ أم شغف؟
ـ هذا سؤال محير. أكتب لأنني أكون مستمتعا بعملية الكتابة، أرسل فيها خطابات فكرية وجمالية أقصدها. يلعب الوعي دوره في اختيار القضايا، واصطفاء الحدث، والتعامل الطيع مع مادة الحكي.
بعد مرور خمسين عاما على بداية اختياري للأدب صار من الطبيعي أن أكتب فهذا هو الشيء الذي أحبه وينقذني من إحباطات الحياة، وهي كثيرة وتزداد كثافة وإيلاما للنفس، كلما أوغلت في العمر.
– هل تكتب للمادة؟ أم لهموم المجتمع؟ ولماذا ؟
ـ أكتب لأنني أجد في الكتابة تعبيرا عن موقفي من الحياة. أكتب واقتطع من قوتي لتكون الكتب في أيدي القراء دون أن اقصد الربح. وقد وفقني الله خلال السنوات السبع الأخيرة من تجربتي فحصلت على جائزة الدولة التشجيعية 2016، ثم جائزة يوسف أبورية باتحاد الكتاب 2017، ثم جائزة ساويرس فئة كبار الكتاب 2020، وفي العام الفائت 2022 كرمتني دائرة الثقافة بإمارة الشارقة على مجمل انتاجي، كما كرمني صندوق التنمية الثقافية في عزبة البرج.
– هل الكتابة اليومية مرهقة للكاتب؟
ـ لا أكتب بصفة يومية، ولا أجبر نفسي على الكتابة غير إنني أقوم بجمع التراث اللامادي، وهو ما صقلته تجربة التعامل في فريق عمل لمنظمة اليونسكو الدولية، من 2011 حتى 2013.
– الكتابة مسؤولية اجتماعية؟ ما تعليقك؟
ـ ليس بالمعنى الميكانيكي، ولكن اجتهادي يتبلور في ضرورة الانحياز خلال عملية الكتابة لشروط الإبداع الجيد،ورفض كل محولة للتأطير واستلاب الذات لصالح دعاوي فوقية. أنا واحد من الكتاب الذين يعيشون مع الناس ويتلمسون قضاياهم، ويعالجونها بصدق وشفافية.
– ماذا تعني أمانة الكلمة للكاتب؟
ـ أتصور أن الكاتب الأصيل هو الذي يتناول القضايا المفصلية في واقعه ويعمل على تثوير الثقافة باعتبار الإبداع الأدبي رسالة، وهذا ليس معناه أن تتخلى عن الشق التجريبي في تجربتك مهما كان جذرها الواقعي.
– أبرز موقف تعرضت له من الكتابة؟
ـ أبعدت عن الوظيفة لعام كامل لأنني سرت مع مرشح المعارضة ضد مرشح الحكومة في أول تجربة ديمقراطية بعد إقامة السادات المنابر. كنت أعضد محمد عبدالسلام الزيات ـ شقيق الدكتورة لطيفة الزيات ـ ضد مرشح السلطة، وجاء إبعادنا مدة عام كامل لأعمال إدارية حتى تم إشهار الأحزاب فعدنا إلى أعمالنا في سلك التدريس.
– هل تعرضت للمحاسبة بسبب الكتابة؟
ـ تعرضنا للتهميش، ورفض قصائدنا، فترة وجود رقابة في كل ما ينشر لكن الأمر لم يصل للتهديد بالفصل أو الاعتقال. كانت طلقات “إزعاج”أتصور أن السلطة كانت تدرك أهمية وجود هامش للتنفيس وإلا حدث الانفجار كما أثبتت أحداث 25 يناير 2011 هذا التوقع.
– كتابة كان لها بالغ الأثر؟
ـ في مجموعة “شمال.. يمين” تناولت فكرة الحرب من منظور إنساني، وهوما تحقق أيضا في مجموعة “صندل أحمر” حيث تناول فترة الصبا بقدر من الصدق والإبانة مع تعرية المجتمع المحافظ ظاهريا، والغارق في المحظورات حقيقة.
– ماذا تعني لك حرية الرأي؟
ـ بدون حرية رأي لا يمكن للمجتمع أن يتطور، ويتخلص من سلبياته، وهذا يحدث في الأدب وبشكل أكثر وضوحا في المسرح، ولي فيه تجارب عديدة منها مسرحة القصص كما في عرض “إطار الليل”وعرض “صهيل في البحيرة “، وما قدمه محمد الشربيني حين حول ديواني “الخيول “إلى عرض مسرحي بعنوان”غنوة للكاكي “عام 1990.
– ما هدفك من الكتابة؟
ـ ليس عندي إجابة قاطعة، ولكن عندي ثلاثة احتمالات:
أولا: أن تمنحني الكتابة مساحة من التعبير الحر.
ثانيا: أن أتمكن من طرح أفكاري بشكل فني غير مسبوق.
ثالثا: إحساسي بالمتعة مع تشكيل نص هو ملكك وحدك، وهو ما يمنح النفس الرضا والقدرة على استكمال الرحلة المريرة.. رحلة الحياة.
– أبرز محطات قلمك؟
ـ هناك ركائز أساسية، تتلخص في المحطات التالية: الحديث عن عوالم الطفولة “مكابدات الطفولة والصبا”، مرحلة الانضمام لكتائب مقاتلة “شمال.. يمين”، مرحلة السفر “الأبواب”، وأخيرا، معالجة التحولات الاجتماعية في بر مصر :”أتوبيس خط 77″، “جبل النرجس “، “حمام يطير”، وهي مرحلة ممتدة لأكثر من عشرين عاما.
– كيف تصف تجربتك مع الكتابة؟
ـ عشت حياتي بالكتابة، عرفني الناس من خلال قصصي التي تناولت تجاربهم مع حياة خشنة، فظة، قاسية. وحين اتخذت من المقهى مجلسا يوميا تحول المكان إلى ورشة عمل، عمادها قراءة النصوص وتناولها نقديا بقدر من الموضوعية، جلسة اجتذبت الأقلام الجديدة، وقدمتها للحياة الثقافية بعيدا عن الأجواء الرسمية البطيئة.
– هل جمعت أعمالك في كتاب؟
ـ لدي ثلاث روايات، و24مجموعة قصصية، وكتابات أخرى في أدب الطفل،والنقد، والحوارات الثقافية. إجمالي كتبي 46كتابا، وهو عدد قليل قياسا لوجودي بالحياة الثقافية منذ عام 1968.
– هل كانت الكتابة نقطة تحول في حياتك؟
ـ بكل تأكيد، أحرص على تجديد أدواتي في الكتابة، لذلك توجد مناطق توقف ثم اندفاع لتقديم كتابات غير مألوفة كما في كتاب “البيت القديم” وهوعن التحولات الاجتماعية في بر مصر خلال الخمسينيات والستينيات.
– كاتب تأثرت به؟
ـ بالترتيب التالي : في السرد: تشيخوف، كازنتزاكي، ديستويفسكي، ألبيركامي , وليم شكسبير، آلان روب جرييه، إيزابيل الليندي، ألبرتو مورافيا .
ومن العرب: نجيب محفوظ ، ابراهيم عبدالمجيد، عادل عصمت، محمد ابراهيم طه، بهاء طاهر، يحي الطاهر عبدالله، محمد المخزنجي، محمد المنسي قنديل، خليل قاسم، لطيفة الزيات، الطيب صالح، أحمد الخميسي، فكري داود، حجاج أدول، عبد العزيز مشري.
في شعر الفصحى: فوزي العنتيل، أمل دنقل، حلمي سالم، محمد عفيفي مطر، محمد سليمان، د. عيد صالح.
في شعر العامية : فؤاد حداد، صلاح جاهين، الأبنودي، سيد حجاب، محمد كشيك، رجب الصاوي، ضاحي عبدالسلام.
– كاتب يعجبك طرحه ؟
ـ جمال حمدان، محمد حسنين هيكل، توفيق الحكيم.
– كاتب تقرأ له؟
ـ صبري موسى. في الرواية، وأيضا في القصة القصيرة.
– رسالتك للكتّاب الجدد؟
ـاقرأ في التاريخ، والاقتصاد، والفلسفة. أقرأ في المسرح، في القصة والشعر والرواية. زيارة المعارض التشكيلية، وحفلات الموسيقى، اكتب وفي ضميرك أن تتخطى الكتابات السابقة بأن تضيف إليها.
– كلمة في نهاية اللقاء.
ـ أتمنى أن يحظى الأبناء والأحفاد بحياة كريمة، تليق بمستقبل زاهر، بعيدا عن الخرافة والدجل المستشري في كل مكان.






