
بعد 18 عاماً من الضياع؛ بسبب الإدمان على تناول المخدرات والسجن والتشرد وخسارة الأسرة، عاد مواطن في الأربعين من عمره ليجمع شتات حياته من جديد، حيث إنه توظف واستعادة أسرته، ويعيش ست سنوات متواصلة من التعافي، هذه القصة لم تكن حالة استثنائية، بل واحدة من محطات التحول التي يرويها معالج الإدمان الأستاذ مبارك الراشدي، وتفتح نافذة صادقة على عالم الإدمان من الداخل.
ويعمل «الراشدي» معالج إدمان بمركز تعافي للاستشارات النفسية والأسرية | مؤسس فريق -معاً نرتقي- التطوعي | مدرب علاج الإدمان، وفي تصريح لـ«صحيفة مكة» أكد أن الإدمان مرض مزمن قابل للانتكاسة، ويمكن محاصرته مثل بقية الأمراض المزمنة، موضحاً أنه لا يقتصر على المخدرات، وأن السلوكيات الإدمانية تشمل القمار والإباحية والألعاب والعمل والطعام، وأن المرض واحد، وإن اختلفت المادة أو السلوك.
وأضاف أن أكثر الحالات التي يتعامل معها حالياً تتعلق بالمخدرات والكحول، مبيناً أن أنماط الإدمان تغيرت في السنوات الأخيرة، لافتاً إلى تنوع المواد وسرعة تأثيرها وخطورتها، وظهور مخدرات تستخدم عبر الفيب والسجائر الإلكترونية وتسبب الهلاوس، كاشفاً أن الحصول على بعض المواد، مثل الشبو، أصبح أسهل عبر وسائل التواصل الاجتماعي والأدوية الخاضعة للرقابة.
وذكر «الراشدي» أن الشباب والمراهقين هم الأكثر عرضة، ومعهم الفتيات مؤخراً، معللاً ذلك بالفضول وغياب الرقابة الأسرية والتفكك والفراغ وضعف الوعي، وأوضح أن المملكة شهدت ارتفاعاً في الوعي وتطوراً في الخدمات العلاجية، مستدركاً بأن التحدي يتمثل في سرعة انتشار المخدرات الحديثة وتطور أساليب ترويجها رقمياً، ما يتطلب مواكبة مستمرة في الوقاية والعلاج.
وفسّر الأسباب النفسية والاجتماعية المؤدية للإدمان بالهروب من الألم النفسي كالاكتئاب والقلق، وضعف الاحتواء الأسري وعدم استثمار الوقت، كما استعرض من واقع خبرته تأثير الإدمان على الأسرة، مفيداً أنه يخلق ضغطاً نفسياً ومادياً وتوتراً دائماً وخوفاً من الوصمة الاجتماعية.
وأكد «الراشدي» أن أول خطوة علاجية هي كسر الإنكار ووجود رغبة حقيقية في التغيير، مشيراً إلى أن ذلك يتبع بتشخيص وتقييم شامل وبناء علاقة ثقة وأمان، وأفاد بأن مدة العلاج غالباً ما تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، وقد تطول حسب الحالة، مع تدخل دوائي وتأهيلي عند الحاجة.
وقال إن من أنجح الأساليب العلاجية: العلاج المعرفي السلوكي، والدعم النفسي، ومجموعات التعافي، والمتابعة المستمرة، وتابع بقوله إن برنامج الـ12 خطوة وزمالة المدمنين المجهولين كانا –بعد الله– سبباً في تعافي الكثير من المدنيين، منوهاً أن للأسرة دوراً محورياً في نجاح العلاج عبر الدعم والفهم لطبيعة المرض.
وكشف «الراشدي» بأن الانتكاسة جزء متوقع من رحلة التعافي، شارحاً آلية -تشريح الانتكاسة- لتحليل أسبابها وتعزيز الأدوات الوقائية من جديد، وتحدث عن البرامج الوقائية الموجهة للشباب والطلاب، داعياً إلى توسيعها وتقديمها بلغة أقرب للشباب عبر المنصات الرقمية.
وأفصح عن أبرز التحديات التي تواجهه أثناء العلاج، وفي مقدمتها إنكار المريض وضعف دعم الأسرة والخوف من الوصمة الاجتماعية، وأردف أن المراكز العلاجية تعاني كذلك من قلة الكوادر والضغط العالي وضعف الوعي المجتمعي أحياناً، بينما اعتذر عن الخوض في تطوير أنظمة مكافحة الإدمان في هذا اللقاء.
وروى أن قصص التعافي المؤثرة كثيرة، وتحمل معاني تتجاوز الكلمات، وأضاف أن التعافي ممكن مهما طال طريق الإدمان، مختتماً برسالة واضحة: طلب المساعدة قوة لا ضعف، وكلما كانت البداية أبكر كانت الخسائر أقل. وشدد على رفضه لمصطلح -مدمن-، موضحاً أن الأدق هو -مريض إدمان- على اعتبار أن كلمة -مدمن- وصف وليس تشخيصاً، داعياً إلى الاستفادة من زمالة المدمنين المجهولين المنتشرة في المملكة، لما لها من أثر عميق في التعافي عبر الدعم الجماعي.

الأستاذ: مبارك الراشدي (معالج ادمان)..






