المقالات

خيبةُ الجار وطعنة الغدار

ليست الخيانةُ دائماً سيفاً يُشهر في ساحة مكشوفة، بل كثيراً ما تأتي متخفية في هيئة جار يبتسم، ويطرق الباب بيدٍ تحمل التحية، فيما اليد الأخرى تُخفي خنجراً من غدر. خيانةُ الجار أشدُّ إيلاماً؛ لأنها لا تُوجَّه إلى الحدود فقط، بل تُصيب المعنى، وتهدم الثقة، وتكسر ما تبقى من وهم الأخوّة.فالجار ليس رقعةً على الخريطة، بل تاريخٌ مشترك، ودم سال على حدود واحدة، ومصير كان يُفترض أن يتقاسم الخطر قبل الرغيف.

ولطالما قيل في الموروث الشعبي العربي: “الجار قبل الدار”، وهي حكمة تعكس أهمية الأمان الذي يمنحه الجار لجاره. ولكن في سجلات التاريخ والسياسة الدولية، تحولت هذه الحكمة في كثير من الأحيان إلى مآسٍ مكتوبة بدم الخيانة، حيث كان “الغدر” هو السلاح الأكثر فتكاً لأنه يأتي من الجهة التي كان يُفترض أنها “السند والعزوة”. فحين يتحوّل الجار من حارسٍ للسور إلى دليلٍ للغزاة، ومن شريكٍ في الأمن إلى سمسارٍ للفوضى. عندها لا يعود الخرابُ حادثة عابرة، بل مشروعاً يُدار ببرود، وتُسوَّق له الذرائع باسم المصالح والحياد الكاذب .

ومسك الختام فإن دولُ الجوار التي تخون،لا تفعل ذلك جهلاً بالعواقب، بل لأنها توهم نفسها بأن النار إن اشتعلت في بيتٍ مجاور فلن تمتد إلى سقفها ناسين أو متناسين أن النار حين يرتفع دخانها لا تسأل عن جواز السفر، وأن الفوضى إذا تربّت على حدودك ستدخل يوماً من بابك وتحرق ثيابك مثلما احرقت ثياب الآخرين لذلك فالخيانة حين تلبس ثوب القرب، وتستعير لغة الود، ثم تُسهم في عداء البيت من داخله لذلك فالخيانة ليست مجرد حدث سياسي عابر، بل هي سم يسري في عروق الأمة، يُضعف وحدتها ويُطيل أمد معاناتها.

وخزة قلم:
من خان جاره فقد خان نفسه، وأظلم بفعلهِ يومَهُ وأمسه.

عبدالرحمن العامري

تربوي - كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى