المقالات

رحلة الروح في الثلاثين المباركات

حين يطلُّ شهرُ رمضان، لا يطل كضيفٍ عابر، بل كنسمة سماوية تحمل في طيّاتها ثلاثين نفحةً من البركة، وثلاثين فرصةً للغفران، وثلاثين موعدًا مع القلب ليعود إلى صفائه الأول. فهو شهر الرحمات الذي تتنزّل فيه السكينة، وتُفتح فيه أبواب السماء، وتُصفَّد فيه نوازع الشر، فيغدو فيه الإنسان أقرب ما يكون إلى حقيقته النقيّة. كما أن هذه الأيام تُشعر الإنسان بأنه ليس وحده في عبادته؛ فالملايين حول العالم يصومون معه، ويدعون معه، ويفرحون بالإفطار معه. فوحدةُ الشعور هذه تمنح الشهر بُعدًا إنسانيًا عظيمًا، يتجاوز حدود الجغرافيا واللغة، ليجمع القلوب على معنى العبودية الخالصة.

فأيام رمضان ليست مجرد أيام تمر على التقويم، بل هي مواسم روحية تُفتح فيها أبواب السماء، وتُغلق أبواب النار، وتُصفّد فيها الشياطين، فتصير النفس حرة تسبح في بحر التقوى والإيمان. كما انها أيام لا تشبه غيرها في عداد الزمن، فهي محطات للروح، وملاذ للمتعبين، فكلُّ يوم منها صفحةٌ بيضاء، وكلُّ ليلةٍ منها سراجٌ في عتمة الروح. ففي النهار صيامٌ يروّض الشهوات، ويهذّب الرغبات، ويعلّم الصبر ويلملم الشتات، وفي الليل قيامٌ يوقظ القلب من غفلته، ويعيد ترتيب الأولويات فيا لها من ثلاثين يومًا تتنفس فيها الأرض نسائم الرحمة، وتغسل فيها القلوب غبار الذنوب، وتُرفع فيها الأرواح إلى سماوات الطمأنينة.

ومسك الختام فإن العبرة من هذه الثلاثين المباركة ليست في انقضائها، بل في ما تتركه فينا من قيم الصبر، والجود، والتراحم. فمن ذاق حلاوة القرب في شهر الرحمات، صعب عليه أن يعود لجفاء البعد بعدها. لنخرج من هذا الشهر بقلوبٍ أكثر بياضاً، وأرواحٍ أكثر تحلقاً في سماء الإنسانية حيث تتجلّى معاني التكافل، فيتذكّر الغنيُّ حاجة الفقير، ويشعر القويُّ بضعف المحتاج، فتتلاقى القلوب قبل الأيادي. في مدرسة عملية للرحمة، يتخرج منها الصائم بقلبٍ أكثر لينًا، ولسانٍ أكثر ذكرًا، ونفسٍ أكثر اتزانًا.

همسة قلم :
الثلاثون المباركات أيام معدودات، لكنها في ميزان الروح أعوام من الإصلاح والتهذيب.

عبدالرحمن العامري

تربوي - كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى