كثيرًا ما تتردد على مسامعنا مقولة: «لكل زمان دولة ورجال»، غير أن مفهوم الدولة في معناه الحقيقي والمعاصر لا يقتصر على مساحة جغرافية أو وفرة مالية، بل يتجاوز ذلك إلى منظومة متكاملة من القيم، والإرث الثقافي والأخلاقي، والنسيج الاجتماعي المتماسك، فضلًا عن امتلاك مقومات الحكم الرشيد القادر على مواكبة التطور الحضاري والفكري في عالم اليوم.
ومن هذا المنطلق، يثار تساؤل مشروع حول مدى انسجام بعض الممارسات السياسية مع هذا المفهوم الحديث للدولة، لا سيما حين تتعارض السياسات الخارجية مع المبادئ المعلنة، أو عندما تبدو القرارات مرتبكة وغير منسجمة مع الالتزامات المعلنة والمواثيق الموقعة.
ففي الحالة التي نناقشها، يلاحظ المتابع أن الأداء السياسي لا يعكس دائمًا ثقل الدولة ولا يعبر عن رؤية استراتيجية متماسكة، خصوصًا في ملفات إقليمية حساسة، كان من المفترض أن تُدار بحكمة أعلى واتزان أكبر. فبدل توظيف الإمكانات الاقتصادية والبشرية في بناء نموذج تنموي مستقر يعزز مكانة الدولة إقليميًا ودوليًا، بدت بعض الخيارات السياسية وكأنها تُراكم الأزمات بدل احتوائها.
وقد كشفت تطورات الأزمة اليمنية عن جانب من هذا الارتباك، حيث أظهرت التصريحات المتباينة والبيانات الإماراتية المتناقضة ضعفًا في التنسيق السياسي والإعلامي، الأمر الذي أضعف الموقف وأثار تساؤلات حول منهجية إدارة الملفات الخارجية. فحين يتناقض بيان مع آخر في قضية سيادية حساسة، فإن ذلك لا يضر بالخصوم بقدر ما يضر بصورة الدولة نفسها ومصداقيتها.
إن السياسة الخارجية، في جوهرها، عمل مؤسسي تراكمي، يقوم على الوضوح، والاتساق، واحترام التعهدات، وهي صفات لا غنى عنها لأي دولة تطمح إلى دور فاعل ومسؤول في محيطها الإقليمي والدولي، بغض النظر عن حجم ثروتها أو نفوذها الاقتصادي.
وأخيرًا، فإن المنطقة اليوم أحوج ما تكون إلى سياسات تهدئة لا تأجيج، وبناء لا هدم، ودعم للاستقرار لا تغذية للصراعات. فالتجارب القريبة في أكثر من ساحة عربية أثبتت أن الفوضى لا تُنتج نفوذًا دائمًا، وأن التدخلات غير المحسوبة لا تورث إلا مزيدًا من المعاناة والانقسام.
ويبقى الأمل معقودًا على تغليب صوت الحكمة، واحترام سيادة الدول، والالتزام بمبادئ العمل العربي المشترك، بما يحفظ للمنطقة أمنها، ولشعوبها حقها في الاستقرار والتنمية.
والله الهادي إلى سواء السبيل.