عندما تعلن بعض المؤسسات عن خطط للتحوّل المؤسسي، قد يخيَّل للمتابع أنها على وشك اكتشاف سرّ لم تعرفه البشرية من قبل، وأن هذا التحول سينقلها قفزاً من عصر الفحم الحجري إلى عصر الذكاء الاصطناعي. غير أن الواقع، في كثير من التجارب، لا يتجاوز عروضاً تقديمية لامعة، مصقولة شكلاً، لكنها خالية من روح التغيير الحقيقي. تبدأ الحكاية عادة بشعارات رنّانة من قبيل: (نقلة نوعية ورحلة استثنائية نحو المستقبل)، ثم لا تلبث هذه الوعود أن تتبدد بين لجان ممتدة واجتماعات متكررة، لتترك الموظفين أمام إرهاق إداري ومؤشرات أداء يصعب ربطها بتحسن ملموس في الواقع. يصبح الحديث عن رحلة التحول المؤسسي أقرب إلى توصيف رحلة فضائية؛ تُوزَّع الأدوار، وتُبعثر المبادرات، حتى يظن العاملون أن المؤسسة على وشك أن تُولد من جديد. لكن ما إن تمضي الأشهر، حتى يتضح أن ما جرى لم يكن سوى نسخة محدَّثة من مواعيد عرقوب: وعود تُقال ولا تُنفَّذ. فالتحول الحقيقي لا تصنعه التصاميم الجذابة ولا كثرة ورش العمل؛ بل القدرة على التنفيذ، والمتابعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. أما حين تتحول الخطط إلى شعارات، والمشروعات إلى ركام من الأوراق، فذلك لا يُعد تحولاً مؤسسياً بقدر ما هو تمرين طويل على الصبر والإحباط.
كان المأمول من التحول المؤسسي أن يبدّل الواقع، فإذا به في بعض الحالات يكتفي بتبديل العناوين والألوان. تحوّل في تصميم العروض لا في مستوى الأداء، وحولٌ بصري أصاب العاملين بدل أن يتشكّل وعي مؤسسي جديد. ومع مرور الوقت، استُهلكت مفردات مثل التمكين والتطوير وجودة الحياة الوظيفية حتى فقدت معناها، وصار ترديدها أقرب إلى طقس إداري متكرر لا يُنتج أثراً يُذكر. وعندما تتعثر خطط التحول؛ تلجأ بعض المؤسسات إلى أسهل أشكال (التغيير): لعبة تحريك الكراسي؛ يُعاد ترتيب المكاتب، وتُبدَّل أماكن الجلوس، ويُنقل الموظفون من غرفة إلى أخرى، بينما لم يتغير شيء سوى زاوية النظر إلى الجدار. الهدف هنا ليس تحسين الأداء ولا رفع الكفاءة، بل صناعة إحساس مؤقت بأن التحول قد حدث، وكأن المشكلة كانت دائماً في المساحة لا في العقل، وفي الأثاث لا في غياب الرؤية والمساءلة. وفي عدد غير قليل من المؤسسات، لا يمكن تجاهل التكتم الشديد على أخبار التحول ومراحله، وكأنه سلوك إداري عابر لا يستحق التوقف عنده. غير أن هذا الصمت، في تجارب متعددة، تحوّل إلى مصدر قلق دائم، انعكس على الأداء، وفتح المجال واسعاً أمام الإشاعات لتؤدي دور «الإدارة غير الرسمية للمعلومة». ومع غياب رواية واضحة، بات العاملون يفسّرون القرارات اليومية كما تُفسَّر الإشارات الغامضة، في محاولة لملء فراغ لا ينبغي أن يوجد أصلاً. وهنا يبرز سؤال عام يتكرر في أكثر من تجربة مؤسسية: هل غياب الشفافية مجرد ضعف في التواصل الداخلي؟ أم أنه خيار إداري غير معلن لدفع بعض الكفاءات إلى إعادة التفكير في بقائها داخل المؤسسة؟ أم لعلّه أسلوب ناعم لتهيئة الجميع لتقبّل مخرجات التحول أياً كانت، بعد فترة طويلة من التعايش مع الغموض؟
في الواقع، لا ينتظر العاملون محاضرة جديدة عن الإبداع، ولا حملة داخلية عن التفكير خارج الصندوق؛ بقدر ما ينتظرون قراراً واضحاً يعيد الثقة ويمنح المعنى. فالتحول الحقيقي لا يحتاج إلى أوراق عمل بقدر ما يحتاج إلى عمل بلا أوراق، ولا إلى ضجيج إعلامي بقدر ما يحتاج إلى مصداقية تُترجم إلى نتائج ملموسة. فما جدوى تغيير الهوية البصرية إن لم تتغير الهوية الفكرية للمؤسسة؟ وقبل أن تحلم أي مؤسسة بتحول مؤسسي ناجح، ربما تحتاج أولاً إلى تحول نفسي وثقافي يوقظ روح المبادرة، ويحدّ من ثقافة التبرير. فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست في نقص الخطط، بل في ضعف الإرادة لتطبيقها. التحول لا تصنعه الأيدي المرتعشة ولا كثرة اللجان ولا طول الاجتماعات، بل حين تُقال الحقيقة، ويُبنى القرار على قراءة واقعية، وتُربط الصلاحيات بالمساءلة. ومن غير المنطقي اختزال فشل خطط التحول دائماً في شخص المدير وحده؛ ففي عدد من الحالات يكون جزءاً من منظومة مترهلة تُدار بتوازنات معقدة. تحيط به أحياناً دوائر استشارية أو تنفيذية تتقن تعطيل التغيير أكثر من إدارته، إما خوفاً من فقدان امتيازات قائمة، أو سعياً لمكاسب تُمرَّر داخل الخطط تحت عناوين براقة. وعندما تتحول الخطة إلى عبء إداري ومالي مثقل بالمصالح، فإن إقصاءها لا يحدث غالباً لرداءة الفكرة، بل لأن مضمونها أُفرغ عمداً قبل أن تُمنح فرصة حقيقية. كما أن الجهات المعنية بإقرار مسارات التحول واعتمادها لا تفتقر إلى الخبرة، ولا تُدار بحسن نية ساذجة؛ فهي تدرك، بحكم موقعها، ما يُمرَّر وما يُعطَّل. ومن ثمّ تبقى المسؤولية القيادية قائمة، إذ إن الصمت الطويل أو القبول بإدارة التحول بهذا الشكل لا يمكن اعتباره حياداً مهنياً، بل يتحول إلى شراكة حقيقية في الفشل. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: لماذا تعثّر التحول؟ بل يصبح أكثر إلحاحاً وعمقاً: من يقود التحول فعلاً؟ أم من يقود من؟
حقيقة:
بعض المؤسسات، حين تُطلق مشروعاً ضخماً أو مبادرة استراتيجية، تُغدق الوعود وتلوّح بالمكاسب، فترفع سقف الطموحات وتُحلّق بأحلام الموظفين عالياً؛ ثم يطول الانتظار، شهوراً وربما سنوات، حتى تأتي النتائج مخيبة، فيجد الموظف نفسه مردداً: أن تسمع بالمعيدي خير لك من أن تراه، فيعقّب زميله: بل تمخّض الجبل فولد فأراً، ويختصر ثالث المشهد بابتسامة مُرّة: يا ليتهم خلوها على مبنى الشايب.
لدغة ختام:
حين أتحدث عن سلبيات بيئة العمل في بعض المؤسسات، فلستُ معنياً بإرضاء الجميع؛ ويكفيني أن يُنصف حديثي معاناة الكثير من الموظفين الذين لا يملكون سوى صمتٍ مثقلٍ بالخوف والقلق. وسلّم لي على الشفافية؛ القيمة الحاضرة في شعار المؤسسة، والغائبة عن المشهد في الممارسة.






