في مُناسبة جمعتنا في الحي لعدد من الجيران طُرح موضوع الفرق بين الأخ والصديق ، ومن هنا جاءت فكرة مقالي هذا نحو أهمية إختيار الشخص لصديقه ليس لشيئ وإنما لأن الصداقة تُعّد من أسمى العلاقات الإنسانية وأكثرها تأثيرًا في حياة الفرد، فهي علاقة تقوم على الاختيار الحُر لا على الفَرّض أو المصادفة ، فالأخوة رابطة يولد الإنسان فيها دون أن يكون له حق الاختيار، بينما الصداقة علاقة يُنشئها الإنسان بإرادته، ويمنحها من وقته ومشاعره وثقته، لذلك غالبًا ما تكون أعمق أثرًا وأكثر صدقًا (دون أن ننسى إن علاقة الأخوة علاقة هامة ومُقدسة وسامية وان الاسلام آخا بين المهاجرين والأنصار وهناك قصص رائعة للأخوة بالمقابل هناك قصص تدمى لها القلوب والمحاكم شاهدة على ذلك) ،، ولكن أرغب أن أُركز في هذا المقال وفي هذا الزمن بالذات على الصديق ليس لشئ وإنما لأن المادة ومغريات العصر السلبيه والنفاق والمجاملات والترزز في وسائل التواصل الاجتماعي والتفاخر بالمال وغيره اصبحت واقع نعيشه ونشاهده يومياً مع الأسف.
أعود لموضوع المقال مُركزاً على إن الصديق الحقيقي هو من نختاره بعناية، نقترب منه لأننا نجد فيه الانسجام الفكري والراحة النفسية، لا لأن الظروف أجبرتنا على ذلك ،، الصديق هو الشخص الذي يشاركنا أفراحنا دون غيرة، ويقف إلى جانبنا في أوقات الشدة دون تردد، ويكون مرآة صادقة تعكس عيوبنا قبل محاسننا، لا ليجرحنا بل ليُعيننا على أن نكون أفضل.
وتكمن أهمية الصداقة في كونها مساحة آمنة للتعبير عن الذات ، فمع الصديق يستطيع الإنسان أن يكون على طبيعته دون تصنّع أو خوف من الأحكام ،، الصداقة الحقيقية تُخفف من أعباء الحياة، وتمنح الإنسان شعورًا بالانتماء والدعم النفسي، وقد تكون في كثير من الأحيان سببًا في تجاوز الأزمات واستعادة التوازن الداخلي.
ولأن الصداقة اختيار، فإن مسؤولية هذا الاختيار عند الانسان مسؤولية كبيرة ، فليس كل من يضحك معنا صديقًا، ولا كل من يشاركنا الوقت يستحق أن يشاركنا الثقة ،، اختيار الصديق يحتاج إلى وعي وبصيرة ،، فالصديق يؤثرُ في فكر الإنسان وسلوكه وقراراته، وقد يرفعه أو يجرّه إلى ما لا يُحمد عقباه. لذلك قيل: “قل لي من تصاحب أقُل لك من أنت”.
الصديق الجيد هو من يدفعك نحو الخير، يشجعك على النجاح، يحترم قيمك وحدودك، ولا يتخلى عنك عند أول اختبار ، هو من يفرح لتقدمك بصدق، وينصحك بإخلاص، ويختلف معك دون أن يهدم العلاقة ، أما الصداقة التي تقوم على المصلحة أو المجاملة الزائفة، فهي علاقة مؤقتة تزول بزوال السبب.
في النهاية، الصداقة ليست عددًا كبيرًا من العلاقات، بل جودة وصدق ،، صديق واحد حقيقي قد يكون أثمن من عشرات العلاقات السطحية ،، وحُسن اختيار الصديق دليل على نُضج الإنسان ووعيه بذاته وبحياته ، فالصداقة الحقيقية لا تُفرض، بل تُبنى، ولا تُمنح للجميع، بل لمن يستحقها.
والسلام ختام
• جدة
alamri4@yahoo.com






