المقالات

من الأطباق التقليدية إلى الرمزية المكانية: الحنيذ أنموذجًا.

منذ تأسيس الدولة السعودية بمراحلها الثلاث، واجه الأئمة تحديات متعددة في مسار التوحيد وبناء الدولة، وكان اتساع الرقعة الجغرافية وتنوّع الطبيعة لأقاليمها أحد أبرز التحديات، فقد تشكلت من جبال وسهول وأودية وسواحل ممتدة. أضفى هذا التنوع على كل منطقة خصوصية بيئية جعلت لها طابعًا مميزًا لا تشبه كل منطقة الأخرى. ولم يكن هذا التنوع مجرد اختلاف مكاني، بل مثل إطارًا فاعلًا أسهم في تشكيل أنماط العيش والاستقرار، وحدد طبيعة الموارد المتاحة، ونتيجة لذلك نشأ في كل منطقة طابعًا غذائيًا خاصًا بها، تشكل عبر تفاعل طويل بين الإنسان وبيئته، وتحولت الأطباق التقليدية من كونها ضرورة فرضتها الحاجة، إلى رموز ثقافية تحمل دلالات تاريخية، فأصبح لكل منطقة أطباقها والتي تعتمد على مكوناتها ومنتجاتها المحلية أساليب الطهي الخاصة بها، وأنماط العيش، والقيم الاجتماعية ومظاهر الضيافة والكرم، حيث أصبح الغذاء جزءًا من الذاكرة الجماعية، وعنصرًا أساسيًا في تشكيل الهوية المكانية.

وتبرز منطقة عسير لتمثل نموذجًا غنيًا لارتباط الغذاء والبيئة حيث تتميز بتنوع لافت، يجمع بين الجبال الوعرة والمناخ المعتدل والأودية الخصبة، مما أسهم في وفرة المحاصيل وتنوع الموارد، وفي توفير مراعي مناسبة لتربية الماشية. ويتضح هذا الغنى البيئي على طبيعة الغذاء المحلي، وطرق الطهي التقليدية التي تلائم طبيعتها الجبلية.

ويأتي الحنيذ أنموذجا في هذه المقالة بوصفه طبقا رئيسيا لمنطقة عسير، ولهذا المسمى سياقًا تاريخيًا يعود إلى ما ورد في قصة النبي إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) ويشير هذا الحضور المبكر للمصطلح إلى أن الحنيذ ليس تسمية طارئة، بل تعبير لغوي ارتبط بأسلوب محدد في إعداد الطعام، ويأتي وصف عجل إبراهيم عليه السلام بالحنيذ جانبًا مهمًا من تطوّر المصطلحات الغذائية في الثقافة العربية، حيث تتبدل دلالات الألفاظ تبعًا لتغير البيئات وأنماط العيش مع بقاء المصطلح ذاته متداولًا عبر الزمن. فمصطلح الحنيذ في معناه اللغوي القديم يدل على اللحم المشوي على الرَّضْف، أي الحجارة المحماة، وهو أسلوب طهي بدائي ينسجم مع طبيعة الحياة القديمة. وفي المقابل يشير الاستعمال الحالي وخاصة في جنوب الجزيرة العربية، إلى أسلوب طهي يعتمد على الكتم داخل حفرة أو موضع مغلق، تحفظ فيه الحرارة دون تعرض مباشر للنار، وهو تطور ارتبط بتكيّف المجتمعات المحلية مع ظروفها البيئية، خاصة في المناطق الجبلية. ورغم اختلاف المعنى فإن استمرار التسمية يوضح مسار تطوّر المصطلحات الغذائية، حيث تحافظ الألفاظ على حضورها بينما تتغيّر تطبيقاتها العملية. ويفهم من ذلك أن وصف الحنيذ في السياق القرآني ينتمي إلى دلالته اللغوية الأصلية، لا إلى المفهوم المحلي المتداول اليوم الأمر الذي يبرز العلاقة الوثيقة بين اللغة والغذاء بوصفهما عنصرين حيّين في الثقافة العربية وقابلة للتطور والتكيّف عبر الزمن.

وينتشر طبق الحنيذ في مختلف أرجاء منطقة عسير إلا أنه يبرز في محافظة محايل عسير ورجال ألمع، ويرتبط بالحياة الاجتماعية اليومية وبمناسبات الفرح. ويعد تقديمه أحد أبرز مظاهر كرم الضيافة لدى أهالي المنطقة، في دلالة على مكانته الخاصة ولا يمكن فهم انتشار الحنيذ دون الالتفات إلى البيئة الطبيعية التي أسهمت في تشكيله. فقد هيّأت طبيعة محافظة محايل عسير، إذ تنتشر فيها الأشجار المحلية مثل القَرَض والسَّمُر والسِّدر، إلى جانب كثافة الثروة الحيوانية من الأغنام الجبلية والضأن والأبقار والإبل، وهو ما جعلها من أبرز المناطق المعروفة بإعداده محليًا. ويكتمل هذا المشهد باستخدام نبات المرخ العطري حيث يعد عنصرًا ملازمًا لإعداد الحنيذ، سواء لإضفاء نكهة مميزة أو للمساعدة في عملية الطهي.

وقد تجاوز حضور الحنيذ كونه طبقًا تقليديًا ليصبح رمزًا ثقافيًا يعبر عن المنطقة، وليثبت ذلك في اختياره طبقًا رسميًا لمنطقة عسير ضمن مبادرة رواية الأطباق الوطنية، وأطباق المناطق التي أطلقتها هيئة فنون الطهي، ولم يكن الحنيذ محل اهتمام محلي فقط، بل تجاوز ذلك لينال اهتمامًا واسعًا على مستوى المنظمات الدولية المعنية بالجانب السياحي وموروث الشعوب، مما أسهم في فوز منطقة عسير بلقب منطقة فنون الطهي العالمية لعام 2024م، لتكون أول منطقة من خارج أوروبا تفوز بهذا اللقب، ويأتي هذا الاختيار في سياق الاهتمام بتوثيق الممارسات الغذائية المحلية، والتعريف بها بوصفها جزءًا من التراث الثقافي غير المادي، بما تحمله من تفاصيل فنية ومعارف متوارثة ارتبطت بالمكان والإنسان.

ويأتي يوم التأسيس مناسبةً لاستحضار العمق التاريخي للموروث الثقافي الذي رسم ملامح المجتمع المحلي، حيث يشكل الموروث الغذائي سجلًا حيًا للعلاقة بين الإنسان وبيئته، فالأطباق التقليدية لم تكن نتاج الذائقة وحدها، بل خلاصة خبرات متراكمة، تشكلت عبر التكيف مع المكا وتوارث معارفه من جيل إلى آخر. لتشكل جزءًا أصيلًا من التاريخ الاجتماعي الذي أسهم في بناء الهوية الوطنية.

• باحثة ماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر

عبير بنت ناصر القحطاني

باحثة ماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى