في كل عام يتفضل علينا الخالق جلّ وعلا بشهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدىً للناس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان. وفيه تصفو الأرواح، وتزكو النفوس، وتتضاعف الحسنات، وتُمحى السيئات. ورمضان ليس موسم تعبّد وعبادة فحسب، بل إن هذا الشهر العظيم يتضمن فرصًا تربوية متعددة الاتجاهات تتاح كل عام لتصحيح دائرة علاقات الإنسان المسلم الثلاث، وهي: علاقته بربه، وعلاقته بالناس، وعلاقته بنفسه.
فبالنسبة لعلاقته بربه، فكم فرّط في أمور دينه، وكم تهاون في أوامر ربه، وكم ذهبت به الغفلة إلى مواطن أبعدته عن دينه. وفي رمضان تتاح التوبة والعودة والاستغفار والرجوع، فالله تعالى لا يرد من صدق في نيته وصحّ في مقصده، لأنه سبحانه يغفر الذنوب جميعًا. ولطالما ألقى رمضان في الأنفس استقامة تدوم وتوبة ليس معها نكوص إلى الذنب ولا رغبة في العودة إليه. وكم من مسلم أصلح رمضان حاله، وغيّر أحواله في علاقته بربه جل شأنه، فاستقام دينه، وقوي إيمانه، وصلحت بذلك حياته.
وفي مجال علاقة الإنسان بالآخرين، فالفرص متاحة لكل مسلم لمراجعة وتصحيح مسار هذه العلاقات الاجتماعية والإنسانية؛ لأن صلاح الفرد يعدّ اللبنة الأولى لصلاح المجتمع وقوة علاقاته. فرمضان فرصة عظيمة لتصحيح الأخلاق وضبط اتجاهها، وعرضها على القرآن الكريم الذي يُتلى في رمضان آناء الليل وأطراف النهار، وهو فرصة لضبط الانفعالات والغضب، وتعزيز قوة الصبر والتحمل، وغض الطرف عن أخطاء الآخرين، والتغاضي — قدر الإمكان — عن زلاتهم.
وهو أيضًا فرصة للشعور بأحوال الناس المختلفة على مستوى الطبقات الاجتماعية؛ فالشعور بالجوع والعطش في حد ذاته يحمل رسالة مفادها أن ثمة أناسًا يجوعون ويعطشون طوال العام، وأن الفقراء وأهل الحاجة يحتاجون إلى الالتفات إليهم ومد يد العون لهم. فالمجتمع المسلم كالجسد الواحد، والمؤمنون إخوة، والترابط ديدن المجتمع المسلم، والاشتراك في هذا الشعور يؤدي حتمًا إلى إصلاح جوانب الضعف والتهتك في النسيج الاجتماعي ككل.
وفي دائرة العلاقات مع ذوي القربى، يحتاج المسلم إلى وقفة تصحيح ومراجعة متأنية لعلاج تقصيره في جوانب الصلة والمودة والرحمة التي قد تكون الأيام أخفتها. ففي هذا العصر كم تفككت الأواصر، وكم تباعدت القرابة، وتقطعت الصلات لأسباب متعددة، فكثر الجفاء والعتب، وجفّت ينابيع الصفاء. ورمضان كفيل — بإذن الله — بعلاج ذلك الصدع وتصحيح مسار هذه العلاقات.
كما أن الفرصة متاحة أيضًا لتصحيح العلاقات مع الجيران والبيئة المحيطة، بما يعيد ضبطها وفق مقاصد التشريع العظيمة. فالملاحظ في هذا العصر أن الناس قد يتناكرون؛ فالجار لا يعرف جاره ولا يحاول أن يعرف أحواله، وهذا ليس من خلق الإسلام ولا من قيمه، ولا يتفق مع صورة المجتمع المسلم المتوارثة عبر الأجيال، تلك الصورة التي منحت المسلمين تميزهم وجعلت مجتمعاتهم قدوة إنسانية.
أما في جانب علاقة الإنسان بنفسه، فمن المؤكد أن رمضان يتضمن فرصًا واسعة للتصحيح الذاتي، وضبط التصرفات، وإعادة النظر في السلوك. فلطالما غفل بعض الناس عن التقييم الذاتي، ومضت بهم الأيام وهم يظنون أنهم مكتملو الصفات قويمو السلوك. والحقيقة أن رمضان يمنح فرصة الوقوف المتأني مع النفس، وإجراء تقييم سنوي لمعالجة السلبيات وتعزيز الإيجابيات. فمن لم يقف مع نفسه في رمضان ليقوم اعوجاجها، فمتى سيقف؟
ومن المعلوم أن القاعدة الأساسية لصلاح الإنسان هي صلاح قلبه وسريرته، وهذا الصلاح لا يتحقق إلا بزيادة التقوى، التي هي ثمرة من ثمرات الصيام ومقصد أساس له.
وفي جانب الصحة، يُعد رمضان فرصة لتصحيح النظام الغذائي، وتحسين الصحة العامة، وتنشيط الأعضاء، وبالتالي تقليل مخاطر الأمراض. فلطالما تسببت عشوائية الغذاء وسوء التغذية وأنماطها غير المتوازنة في كثير من الأمراض التي يصعب علاجها أحيانًا. وهذا التصحيح الصحي قد يولّد لدى المسلم القناعة باتباع نظام غذائي متوازن يحقق للجسم الفائدة ويقوّي مكوناته.
أما ما يتعلق بالصحة النفسية، فإن الانشغال الإيماني والروحي في رمضان يقلل من فرص الضيق النفسي والملل، كما أن الصوم يخفف كثيرًا من آثار بعض الاضطرابات النفسية كالقلق والتوتر.
وأخيرًا، فإن رمضان يتيح للمسلم فرصًا لتغيير بعض عاداته وقناعاته الذاتية الخاطئة، كالإفراط في السهر، أو كثرة النوم، أو إهدار الوقت فيما لا نفع فيه، أو الانخراط في لهو مفرط.
إن رمضان من أعظم المنن التي امتن الله بها على المسلمين، وتلك بعض من ثمراته وفوائده في تصحيح مسار العلاقات المختلفة… وما خفي كان أعظم.





