ليلة شتاء تُروى برذاذ المزن، في حين أن هناك ليالٍ تُروى بزخّات من القنابل؛ وشتّان ما بين رحمة وابتلاء، وما بين سبات وهلع، وما بين شبع وجوع، وما بين أمن وخوف.
إذًا نقول كما قال الله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدّث).
قالها صديقي وهو يمسح بيده على رأس طفله الصغير ويحتضنه قرب المدفأة، فيشعر بدفء الحب وطعم الأبوة، ويعيش الطفل في سعادة وسط روعة المشاعر وحنان الاحتواء ورقّة الأجواء.
قلت له: صدقت، وهل هناك أجمل وأعظم وأفضل من نعمة الأمن؟
وهل هناك خير وتعليم واقتصاد ونماء دون أمن؟
وهل ستنعم بطفلك وأسرتك وطعامك من دون أمن؟
وهل هذه الليلة الشتوية الدافئة التي نعيشها في وطن آمن مستقر تُقارَن بأماكن أخرى في العالم تعيش في رعب وخوف وحروب وفتن؟ ولهذا فإن هناك من تجرفهم الأهواء وينخدعون بالشائعات والدعاوى المضللة، ولا يدركون نعمة الأمن وسيادتها، وخطورة الارتباك — لا سمح الله — وأثر ذلك على أمن أسرته ومجتمعه ووطنه؛ لأن الغوغاء والجهلة والمجرمين سيجدون ضالتهم في السرقة والنهب والاعتداء على الأعراض والممتلكات في حال الفوضى وانعدام الأمن.
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
(من بات آمنًا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها).
وهذا الحديث يلخّص — بكل اختصار — معاني الحياة وجماليات العيش الآمن، والوصول إلى السعادة التي يرتجيها الإنسان لذريته. وأولها أن يبيت آمنًا في سربه، بمعنى أن ينام ويستغرق في نومه وهو سعيد في مقر سكنه بين أسرته؛ فإن هذا الأمان نعمة كبرى من الله سبحانه وتعالى، لا يدرك قيمتها إلا من افتقدها.
إننا عندما نحتفل بيوم التأسيس فإننا نعود إلى سنوات طويلة بذل فيها الرواد الكثير من أجل حكم مستقر آمن مستمر.
فهذه المملكة العربية السعودية بدأ حكامها من آل سعود في الدرعية يحكمونها منذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، وتحديدًا عام 1446م على يد جد الأسرة السعودية مانع المريدي؛ ما يعني أنهم أهل بُعدٍ تاريخي في ممارسة الحكم يمتد على مدى ستة قرون.
كما أنها تُعد امتدادًا للدولة السعودية الأولى قبل ثلاثة قرون، التي أسسها الإمام محمد بن سعود — رحمه الله — ثم جاءت الدولة السعودية الثانية لتكون استمرارًا للحاضنة الشعبية التي كانت ترى عزّها ومصالحها وصلاحها في استمرارية هذه الدولة، التي انبعثت من قلب المعاناة لتكون إرهاصًا للدولة الثالثة التي نعيشها اليوم، حيث اهتم فيها الملك عبدالعزيز — رحمه الله — بالأمن ونشر الاستقرار في مختلف المناطق، ومنها مكة المكرمة والمدينة المنورة.
والملك عبدالعزيز — طيب الله ثراه — موحِّد هذا الكيان في الدولة السعودية الثالثة، له فضل كبير — بعد الله سبحانه وتعالى — في أن ينعم المواطن والمقيم بتطبيق هذا المفهوم العظيم، وهو الأمن في السرب، وذلك عبر عدة أمور، من أهمها تطبيق الشريعة الإسلامية التي كان لها أبلغ الأثر في استتباب الأمن:
(الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).
فقد عمل الملك عبدالعزيز على تأسيس الأنظمة الإدارية للشرطة، وحرص على دعمها، وأقام العدل، وحارب الجريمة، وضبط النظام؛ فانعكس ذلك على الوطن، وأصبح مضرب المثل في الأمن والطمأنينة والسكون.
وتروي لنا الكتب الموثقة قصصًا مأساوية عن حال الأمن قبل عهد الملك عبدالعزيز، وكيف كان قطاع الطرق واللصوص ومقتحمو البيوت لا يجعلون الناس يأمنون على أنفسهم؛ فجاء الملك عبدالعزيز — بعون من الله ثم بحزمه وعدالته — فطمأن الأنفس، وأوجد الأمن، وحارب الجريمة، حتى شهد الحجاج والمعتمرون في عهده أمنًا واستقرارًا أسهما في نشر الإسلام في جميع أنحاء العالم، حيث تزايدت أعداد الحجاج والمعتمرين إلى عهدنا هذا.
وتذكر مجلة المنار المصرية في عددها (30-2-1343هـ) أن الحالة كانت سيئة في الحجاز، وأن الحجاج كانوا يُقتلون ويُنهبون في العهد الذي سبق الملك عبدالعزيز، ثم ذكرت في عددها (29-2-1346هـ) أنه لا داعي لخروج المحمل المسلح لحراسة الحجاج؛ لأن الأمن في الحجاز خلال حكم الملك عبدالعزيز أتمّ وأكمل منه في مصر.
إنها صورة نقية صافية، ينبغي أن نحمد الله عليها، وأن نحافظ عليها، وأن نتعاون مع رجال الأمن لتحقيق مقولة: إن المواطن رجل الأمن الأول. فحافظوا على لحمتكم الوطنية، وقفوا ضد المرجفين والمندسين؛ فهم يريدون الفوضى والخراب، وأن تزول نعم الأمن والدفء الجميل في ليلة الشتاء الطويلة، حيث تؤدي صلاتك في مسجد حيّك، وتعود إلى أسرتك سعيدًا آمنًا مطمئنًا، وتشكر الله عز وجل على نعمة الأمن والأمان.
(لئن شكرتم لأزيدنكم).





