المقالات

يوم التأسيس… بين عمق الجذور وسطحية المظاهر!

✍️جمعان البشيري 

في كل عام يطلّ علينا يوم التأسيس، لا بوصفه مناسبة عابرة، ولا عطلة موسمية تُضاف إلى رزنامة الإجازات، بل كحكاية وطن بدأت فصولها عام1139هـ ، الموافق 1727م، حين أرسى الإمام محمد بن سعود دعائم الدولة السعودية الأولى في الدرعية، لتبدأ مسيرة تأسيس وتوطيد امتدت جذورها حتى يومنا هذا، حيث تقف المملكة اليوم بثقلها السياسي والاقتصادي والحضاري.

غير أن السؤال الذي يطلّ برأسه كل عام: هل نحتفي باليوم… أم نحتفي بأنفسنا فقط؟

بين من يستبدل معنى التأسيس بمهرجان أزياء عابر، ومن يختصر ثلاثة قرون في صورة “فلتر” أو رقصة بلا سياق، يبدو أن بعضنا يتعامل مع المناسبة كما يتعامل مع عروض التخفيضات الموسمية: حضور سريع، صورة سريعة، انصراف أسرع!

لسنا ضد الفرح، ولا ضد البهجة، ولا ضد الأهازيج التي تعبّر عن الاعتزاز، ولكننا – بصدق – نتساءل: أين المعرفة؟ أين استحضار القصة؟ أين الحديث عن التضحيات التي صاغت هذا الكيان؟

يوم التأسيس ليس مناسبة للزينة فقط، بل مناسبة للذاكرة. ليس احتفالاً باللون، بل احتفاءً بالجذور.

لقد مكّن هذا التأسيس بلادنا من أن تعيش اليوم أمنًا واستقرارًا في محيط إقليمي مضطرب، وأن تنعم بعيش رغيد وخدمات متقدمة وبنية تحتية حديثة. أمنٌ نمشي فيه مطمئنين، وتعليمٌ يتطور، وصحةٌ تتحسن، واقتصادٌ يتوسع، وطموحٌ يعانق عنان السماء.

كل ذلك لم يكن صدفة، ولم يهبط علينا من فراغ، بل هو امتداد لقرار تأسيسي مبكر آمن بالوحدة والاستقرار.

ومن المفارقات الساخرة أن بعضنا يحرص على اختيار لون اللباس التراثي بدقة، لكنه لا يعرف ما الذي تأسس أصلًا!

يحفظ كلمات العرضة، لكنه لا يعرف لماذا تُؤدى.

يكتب “يوم بدينا” في تغريدته، لكنه لم يبدأ يومًا بقراءة صفحة واحدة من تاريخ بلاده.

إن الامتعاض هنا ليس من الفرح، بل من التسطيح.

ومن تحويل يومٍ ضاربٍ في عمق التاريخ إلى مشهد استهلاكي سريع.

فالوطن الذي صمد ثلاثة قرون، لا يليق به احتفال بثلاث ساعات!

يوم التأسيس رسالة متجددة مفادها أن الدولة قامت على فكرة، وترسخت على مبدأ، واستمرت بوحدة، وأن ما ننعم به اليوم من أمنٍ ورخاء هو نتيجة تضحيات أجيال آمنت بأن الاستقرار أثمن من الفوضى، وأن البناء أصعب من الهدم.

فلنحتفل… نعم؛ لكن فلنحتفل بوعي…ولنُلبس أبناءنا قصة قبل أن نلبسهم زياً.

ولنعلّمهم أن الوطن ليس مناسبة تُصوَّر، بل مسؤولية تُحمل.

عندها فقط، سيكون احتفاؤنا بيوم التأسيس احتفاءً يليق بجذوره… لا بمظاهره.!

جمعان البشيري

محرر صحفي - جدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى