✍️ جمعان البشيري
كان رمضان – ولا يزال – موسماً للسكينة، محطةً سنوية لإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج، ومراجعة الروح قبل مراجعة الحسابات البنكية. شهرٌ تُفتح فيه أبواب السماء، وتُغلق فيه أبواب النيران، وتُصفّد الشياطين… إلا تلك التي يبدو أنها تعمل بدوامٍ إضافي في بعض المراكز التجارية!رمضان الذي عرفناه شهر قرآنٍ وقيامٍ وصدقاتٍ خفية، أصبح عند بعضنا شهر “العروض الكبرى”، و”اشترِ اثنين واحصل على الثالث مجاناً”، وكأننا نستعد لحصارٍ غذائي طويل لا لصيامٍ تهذيبي قصير.
كان الناس يتهيؤون له بختمة، فأصبحوا يتهيؤون له بقائمة مشتريات تمتد كقائمة الأمنيات ليلة العيد.!
المفارقة الساخرة أن شهر الصيام – الذي شُرع لتخفيف الشهوات – صار موسماً لتضخيمها.
شهر الجوع الاختياري؛صار مهرجاناً للطهي الاستعراضي. وشهر الاقتصاد في المأكل؛صار موسماً لتكديس المجمدات حتى تكاد الثلاجة تستغيث.!
ترى أحدهم قبل رمضان بأيام يجوب الأسواق وكأنه في سباقٍ وطني لتخزين أكبر قدر ممكن من الأرز والزيوت والمشروبات الغازية، بينما المصحف – المهجور – ينتظر في زاوية الرفّ لا يُمسّ كما تُمس بطاقة الخصم عند صندوق المحاسبة؛ بل إن بعض الإعلانات تكاد توحي أن الغاية من الشهر هي الفوز بأفضل صفقة لا بأفضل سجدة!
“تخفيضات رمضان المبارك” تشتعل حمى المنافسة والدعوة لها و تُكتب بخطٍ عريض، بينما الدعوة “للعبادة وأعمال الخير في خير الشهور ” تمرّ خجولة على استحياء إن مرت.!
رمضان في جوهره مدرسة انضباط، وورشة إصلاح، ونافذة صفاء، هو شهر نتعلّم فيه كيف نقلّل لنسمو، وكيف نجوع لنشعر، وكيف نصمت لنسمع صوت أرواحنا.
لكننا – ويا للمفارقة – حولناه إلى شهر ازدحام مروري قبل المغرب، ومشاحنات على آخر قطعة سمبوسة، وكأن الفوز الحقيقي هو الوصول إلى المائدة لا إلى المغفرة!
لا أحد يطلب منا أن نعتزل الدنيا شهراً كاملاً، ولا أن نغلق الأسواق أو نطفئ الأنوار؛ لكن شيئاً من الاتزان لا يضر.
شيئاً من الروحانية لا يُفسد العروض ، وقليلاً من الوعي لا يُنقص من الأرباح.
رمضان ليس شهراً للتسوّق المفرط، بل للتخفف.
ليس موسماً لتضخيم الموائد، بل لتزكية القلوب.
ليس مناسبة إعلانية، بل عبادة زمنية مقدسة.
ولعلنا إن أعدنا ترتيب أولوياتنا، سنكتشف أن أعظم تخفيض في رمضان هو تخفيض الذنوب، وأكبر مكسب هو صفاء القلب.وأفضل عرض فيه هو عرض الرحمة، وأعظم نتيجة ومكسب هو العتق من النار .
عندها فقط، سيعود رمضان كما كان…
شهراً ننتظره ليرفعنا، لا لنرفع فيه فواتيرنا.
همزة وصل :
اللهم بلغنا رمضان وبارك لنا فيه وارزقنا صيامه وقيامه ،
اللهمَّ أَعِنَّا عَلَى صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ عَلَى الوَجْهِ الّذِي يُرْضِيكَ عَنَّا ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلَنَا كُلَّهُ خَالِصَاً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ …






