المقالات

الدراما السعودية، واسئلة حول النص والهوية..

مما لا شك أن الدراما إحدى أهم أدوات تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الهوية الثقافية ، فهي لا تكتفي بعرض القصص على الشاشة بل تساهم في تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ صورة موحّدة للمجتمع , وفي الدول التي تمتلك صناعة درامية ناضجة ، تتحول الشاشة إلى مرآة تعكس الهوية الوطنية بكامل تنوعها، دون أن تجسد منطقة أو لهجة أو فئة بعينها .
غير أن المشهد في الدراما السعودية يبدو مختلفًا, إذ تطغى الهوية المناطقية على كثير من الأعمال، حتى بات المشاهد يتساءل: هل ما نراه هو دراما وطن أم دراما منطقة ؟ فبدلًا من تقديم شخصية سعودية عامة تعبّر عن المجتمع بأطيافه المختلفة , تنغمس بعض الأعمال في تفاصيل محلية ضيقة وتحصر نفسها في بقعة جغرافية صغيرة تجعل الهوية الوطنية تتراجع لصالح الهويات المناطقية. وهكذا تظهر الأعمال وكأنها تنتمي إلى مجتمعات مستقلة داخل حدود الوطن ! وبدلا من صناعة هوية وطنية عامة نجد انفسنا امام عدة هويات مختلفة !
وقد برز هذا الإشكال في أعمال سعودية كثيرة مثل شارع الأعشى و الزير وغيرها، حيث اختارت هذه الأعمال لونًا مناطقيًا واضحًا ، مما أدى إلى استنزاف رصيد الهوية الوطنية على الشاشة. وبدلًا من كتابة سيناريو باللهجة السعودية البيضاء (المحكية في مختلف مناطق المملكة) تُكتب الأعمال باللهجة النجدية أو الجنوبية أو الحجازية أو الشرقاوية، وهو ما يساهم في تفتيت الهوية العامة وإضعاف المشترك الثقافي بين أبناء الوطن .
وعند مقارنة ذلك بما يحدث في الدراما العربية الأخرى، تتضح الفجوة. فالمشاهد يتعرف على العمل المصري أو السوري أو العراقي منذ المشهد الأول، لأن كتّاب السيناريو في تلك الدول يعتمدون لهجة بيضاء جامعة، لا لهجات محلية ضيقة. فلا نرى أعمالًا باللهجة النوبية أو الإسكندرانية في مصر، ولا باللهجة الحلبية أو الساحلية في سوريا، بل نرى عملاً وطنيًا يعكس الشخصية الثقافية للبلد بأكمله.
وتزداد الإشكالية حين تُقدَّم بعض الشخصيات المناطقية في قالب كوميدي هامشي، كما حدث في طاش ما طاش، حيث ظهرت شخصيات مثل – فؤاد الحجازي – او- أبو علي الجنوبي – كأدوار ثانوية تُكرّس صورة نمطية مناطقية ، بدلًا من تقديم شخصية سعودية عامة تمثل الجميع , وهكذا تُعاد صياغة فكرة المركز والهامش بدلًا من الوحدة والتكامل !
اليوم، تقف الدراما السعودية أمام سؤال ملح : هل آن الأوان لاعتماد اللهجة السعودية البيضاء كلغة موحدة للسيناريو؟ وهل يمكن للدراما أن تنتقل من مرحلة دراما المنطقة إلى مرحلة دراما الوطن؟
وهل سنرى شخصية سعودية عامة على الشاشة تعبّر عن الإنسان السعودي بكل تنوعه، دون أن تُختزل في منطقة أو لهجة؟
لاشك إن صناعة هوية وطنية على الشاشة ليست ترفًا، بل ضرورة ثقافية تعكس حقيقة أننا وطن واحد متنوع تنوعا يصنع القوة لا الشتات , وهذا ما يجب على صناع الدراما في السعودية معرفته.

•جدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى