كان صيام رجلًا نحيلًا رثَّ الثياب، يجوب القرى والبوادي بخطواتٍ لا يعرف أحدٌ من أين تبدأ ولا إلى أين تنتهي، يظهر فجأة دون موعد، يتصدر مجالس أهل القرية، ثم يبدأ بسرد أخبار القرى والقبائل المجاورة (فلان قتل فلان، فلان تزوج فلانة، فلان رُزق بمولود)، وكان يسرد تلك القصص بطريقة مشوّقة تُطرب من يسمعها، وكأنه يستمع إلى شعر.
وكنتُ كلما سألت والدي عن هذا الرجل الغريب، يجيبني قائلًا: (هذا نقّال العلوم)، أي ناقل الأخبار الذي يعبر القرى ليحمل أخبار هؤلاء إلى أولئك، والعكس. وكانت كل قرية تستقبله بحفاوة، لا حبًّا فيه، بل رغبةً في معرفة ما يجري خارج حدودها، ولم يكن صيام يقدّم خبرًا واحدًا قبل أن يشترط وجبة غداء أو عشاء، فنقل الأخبار كانت مهنته الوحيدة ورأس ماله.
كانت تلك هي الصورة البدائية لانتقال الأخبار في المجتمعات قبل ولادة وسائل الإعلام الجماهيرية، التي احتكرت صناعة الأخبار وتوزيعها، حتى أصبح الخبر منتجًا مؤسسيًا يخضع لمعايير التحرير، والتحقق، والضبط المهني.
لكن الزمن دار دورته، وجاءت ثورات التكنولوجيا الاتصالية لتنتج لنا منصات التواصل الاجتماعي، فانقلب المشهد رأسًا على عقب، وتحوّل الخبر من صناعة مؤسسية إلى ممارسة اجتماعية يمارسها الجميع، فلم يعد الصحفي وحده هو من يملك سلطة السرد، بل أصبح كل فرد يحمل هاتفًا ذكيًا (مصدرًا محتملًا للخبر)! ومن هنا عادت شخصية صيام، في ثوبٍ إلكتروني حديث، بأسماء مستعارة، وحسابات يتابعها الآلاف. فما أكثر “نقّالي العلوم” الجدد، الذين ينقلون الأخبار عبر المنصات ويقدّمون حصريات، يُصدّق بعضها ولا يُصدّق بعضها الآخر، حتى تحوّل الجمهور من متلقٍ صامت إلى مشارك، ومن مستهلك للأخبار إلى نقّال علوم إلكتروني!
ومع هذا التحول، تزعزع مفهوم صناعة الخبر، حتى أصبح متأرجحًا بين الصناعة والممارسة، وبين المهنية والانطباعية، وبين التحقق والاندفاع، حتى كثرت الإشاعات، وأصبحت آليات التحقق من صحة الأخبار أكثر أهمية من أي وقت مضى.
لقد أعادت منصات التواصل الاجتماعي تشكيل المشهد الإعلامي، لكنها أيضًا أعادت إلينا (صيام)، لا كفرد بل كظاهرة اجتماعية واسعة، تحمل في طيّاتها سؤالًا عميقًا: من يملك الخبر؟ ومن يملك الحقيقة؟ في زمن تداخلت فيه الأصوات، وتنافست فيه الروايات، حتى أصبح الوعي هو السلاح الوحيد الذي يحصّننا من (النقّالين الجدد).
رئيس قسم الإنتاج المرئي والمسموع
جامعة الملك عبدالعزيز
