في المراحل التي تعاد فيها صياغة التوازنات، لا تُقاس الدول بحدة خطابها، بل بقدرتها على إدارة التعقيد، دون أن تفقد ثباتها الداخلي. فالقوة الحقيقية لا تظهر في لحظات الانفعال، وإنما في مهارة احتواء التوتر، ومنع تمدده إلى مفاصل الدولة والمجتمع. وحين تتشابك المصالح، وتضطرب البيئات الإقليمية، يصبح القرار الهادئ أكثر تأثيرًا من أي استجابة متسرعة.
في هذا السياق تتحرك المملكة العربية السعودية، ويواكبها مجلس التعاون لدول الخليج العربية، برؤية تجعل صلابة الداخل أولوية لا تقبل المساومة. فالمعادلة ليست بين موقف وآخر، بل بين مسار يحفظ الاستقرار ويصون المصالح، ومسار يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها لاحقًا. إن منع انتقال التوترات إلى المجال الوطني، وتأمين الحدود والممرات الحيوية، وضمان سلامة الأجواء، ليست إجراءات احترازية فحسب، بل تعبير عن فهم عميق لطبيعة المرحلة.
ولا يقتصر الاستقرار في معناه الحديث على البعد الأمني فقط؛ فهو يرتبط أيضًا بالاقتصاد. حماية سلاسل الإمداد، واستمرار المشاريع الوطنية، وثقة المستثمرين في البيئة المحلية تعزز قدرة الدولة على مواجهة أي اضطراب، وتجعل خياراتها أكثر فاعلية. أي تهديد للبيئة الإقليمية ينعكس مباشرة على استقرار الأسواق المحلية والإقليمية، وهو ما يجعل الحفاظ على التوازن خيارًا اقتصاديًا بقدر ما هو سياسي. وهذا يجعل سياسة الاستقرار الخليجي ليست محلية فقط، بل عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على التوازن الإقليمي والدولي.
كما أن استقرار الخليج يتجاوز حدوده الوطنية. فالأمن البحري، وانسياب الطاقة، واستمرارية الإنتاج والتصدير، لها أثر مباشر على الاقتصاد الإقليمي والدولي. في عالم مترابط، يكفي اضطراب محدود في مركز حيوي لإعادة رسم حسابات الأسواق الدولية. ومن هنا يصبح النهج العقلاني في إدارة الأزمات، مساهمة في حماية منظومة اقتصادية متشابكة، وليس مجرد شأن داخلي.
ومع ذلك، فإن النهج المتزن لا يعني غياب الحزم. فالدولة التي تستثمر في جاهزيتها الدفاعية، وتطور قدراتها التقنية، وتقوي منظوماتها المؤسسية، لا تفعل ذلك من باب الاحتياط فقط، بل لترسيخ معادلة ردع واضحة المعالم. غير أن استخدام القوة يظل محكومًا بسقف سياسي منضبط، لأن الهدف ليس توسيع دوائر الصراع، بل منعها من التمدد.
ويبقى البعد الإنساني هو الأهم. فاستقرار الدولة يُترجم في حياة مواطنيها اليومية: في أمنهم، في استمرار أعمالهم، وفي اطمئنانهم إلى أن مؤسساتهم قادرة على حمايتهم من ارتدادات الخارج. حين يشعر المجتمع بأن قرارات قيادته تصدر عن رؤية متوازنة، تتعزز الثقة، ويترسخ الشعور بالشراكة في مواجهة التحديات.
إن لحظات التحول الكبرى لا تخلد أكثر الأصوات ارتفاعًا، بل أكثر القرارات اتزانًا. في عالم سريع الاشتعال، لا يكسب من يندفع أولًا، بل من يعرف كيف يمنع الشرارة من أن تتحول إلى حريق. وهنا تتجلى قيمة الحكمة السياسية الخليجية: ليست في تجنب العاصفة، بل في عبورها، دون أن تترك أثرًا على تماسك الدولة ومسارها التنموي.
أستاذ القانون الدولي – جامعة جدة
# سياسي – دولي – دبلوماسي
#محمد_الأنصاري






