
«في عيون العاصفة» (6)
في لحظات الأزمات، يتحول الإعلام من ناقل للأحداث إلى فاعل مؤثر في تشكيل إدراك الجمهور وتوجيه مواقفه، وفي إعادة بناء صورة الواقع ذاته، هذه الحقيقة تتضح في تغطية عدد من المنصات العربية للصراعات الإقليمية، حيث تتقاطع المعايير المهنية مع اعتبارات سياسية، وتبرز أحيانا أنماط خطابية تتجاوز حدود الإخبار إلى التأثير المباشر في المتلقي.
الإشكال يرتبط بطريقة بناء الزوايا الإعلامية عبر ما يُعرف في الأدبيات بـ”التأطير”. فالإطار عملية انتقائية تحدد ما الذي يُبرز، وما الذي يُهمّش، وكيف تُفسر الأحداث، ومن يُقدم بوصفه ضحية أو فاعلا مسؤولا، وبهذا المعنى يصبح الخبر قابلا لإعادة التشكيل من خلال سياق عرضه دون تغيير جوهره.
تظهر في عدد من التغطيات العربية هيمنة أطر نمطية مثل “إطار الصراع” الذي يختزل المشهد في ثنائية متقابلة، و”إطار المسؤولية” الذي يوجه الاتهام نحو جهة محددة، إضافة إلى “إطار التهديد” الذي يضخم الإحساس بالخطر،
واستخدام هذه الأطر ضمن ضوابط مهنية يسهم في تبسيط الواقع، بينما يؤدي توظيفها الانتقائي إلى إعادة ترتيب أولويات المتلقي وتوجيه إدراكه.
الانحياز يتشكل غالبا عبر التفاصيل الدقيقة: اختيار المفردات، ترتيب الأخبار، طبيعة الضيوف، والصور المصاحبة،كما أن تسمية الضحايا تختلف أحيانا باختلاف الانتماء، وهو ما يعكس تحيزا ضمنيا يعيد إنتاج ثنائية “نحن” و”هم”، كما أن استضافة أصوات متقاربة في الاتجاه، أو تكرار وجهات نظر بعينها يعزز ما يمكن وصفه بـ”فقاعة التأطير”، حيث يتكرر المعنى ذاته حتى يترسخ بوصفه التفسير الأكثر حضورا.
ويتعاظم هذا الأثر مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، التي أضافت طبقة جديدة من الانفلات الإعلامي، فهذه المنصات لا تعمل وفق منطق التحرير المهني، وإنما وفق منطق الانتشار والتفاعل، وهو ما يجعل المحتوى الأكثر إثارة وغضبا أكثر حضورا، وفي هذا السياق تتسارع عملية الشحن العاطفي، وتُختزل القضايا المعقدة في عناوين حادة بينما تتراجع المساحات الرمادية التي تسمح بالفهم المتوازن.
وسائل التواصل لا تكتفي بإعادة نشر الأطر الإعلامية فحسب ولكنها تساهم في تكثيفها وتحويلها إلى موجات تعبئة جماعية، ثم يتم تحشيد الجمهور داخل إطار محدد عبر التكرار، والوسوم، وخوارزميات تعزز المحتوى المتوافق مع ميول المستخدم، ومع الوقت تتشكل بيئات مغلقة تقصي الآراء المخالفة، وتدفع نحو مصادرة الرأي الآخر، حيث يصبح الاختلاف خروجا عن الجماعة لا جزءا من النقاش.
ضمن هذا السياق تتراجع قيم الحياد ويبرز الانحياز بأشكاله المختلفة، سواء كان عرقيا أو دينيا أو طائفيا، ويعاد تقديم الهوية بوصفها أداة تفسير أساسية لكل حدث، ويجري اختزال الفاعلين ضمن انتماءاتهم، بما يعزز الصور النمطية ويعمق الاستقطاب، ويترافق ذلك مع خطاب يقوم على تقليل شأن الآخر، في مقابل تضخيم الذات، سواء على مستوى الجماعات أو الدول.
هذا النمط الخطابي لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى خطاب وطني يعيد إنتاج الفكرة ذاتها على مستوى الدول، حيث تُضخّم إنجازات “الدولة” مقابل تقليل شأن الدول الأخرى، ويتم تقديم الصراع ضمن ثنائية تفاضلية مستمرة، ومع تكرار هذا النمط يتحول إلى مرجعية ضمنية في تفسير الأحداث ويؤثر في تشكيل الوعي الجمعي بصورة عميقة.
النتيجة تظهر في بيئة إعلامية يختلط فيها العمل المهني مع التوجيه والتعبئة، وتمتزج فيها الحقيقة مع الروايات المطروحة، فيجد المتلقي نفسه أمام تفسيرات جاهزة تؤثر في فهمه للأحداث بشكل مستمر.
المهنية الصحفية ترتبط بوعي هذه الاختيارات وبالقدرة على إدارتها بميزان من الإنصاف، ويتطلب ذلك تنوع المصادر وإتاحة وجهات نظر متعددة والتمييز بين الخبر والرأي، مع الالتزام بالدقة والتحقق، والابتعاد عن اللغة المشحونة التي تدفع نحو الاستقطاب، كما يتطلب فهما أعمق لدور المنصات الرقمية، والعمل على كسر دوائر الانغلاق التي تعززها الخوارزميات.
التحدي الذي يواجه الإعلام العربي يتمحور حول استعادة الثقة، وهي عملية تتطلب ممارسات تحريرية دقيقة تعيد الاعتبار لقيم الموضوعية والمصداقية، فالإعلام الذي يلتزم بالحقيقة يمتلك قدرة أعلى على بناء وعي نقدي مستدام، ويؤدي دورا أكثر اتزانا في بيئة تتسارع فيها الأحداث وتتنافس فيها السرديات.






