المقالات

الهوية الجامعية

قيل الكثير حول قرارات جامعة الملك سعود إيقاف أو إلغاء برامج كاملة والهدف المعلن هو إعادة هيكلة البرامج ورفع الكفاءة وربطها بسوق العمل. وتوزعت وجهات النظر ما بين مؤيدة ومعارضة. فالمؤيدون يرون أن القرار يمثل خطوة جريئة ومطلوبة من شأنها أن تعالج الفجوة بين التعليم وسوق العمل مع التركيز على التخصصات ذات الطلب العالي مثل التقنية والصحة لرفع كفاءة الموارد بدل تشتيتها مما يعني الانتقال من التوسع الكمي إلى الجودة والتركيز. أما المعارضون فقد عبّروا عن قلق حقيقي حول تراجع دور التخصصات الإنسانية وتداعيات ذلك في التأثير على الهوية الثقافية خصوصًا اللغة العربية، وطرحوا تساؤلات عديدة حول أهمية اختزال قيمة التعليم في سوق العمل فقط، مما قد يؤدي إلى فقدان التوازن بين العلم والتفكير الإنساني الذي قد يؤدي بدوره إلى تعليم وظيفي بلا عمق ثقافي.

وبعد هدوء العاصفة وتراجع حدة النقاش حول ذلك الموضوع يجدر بنا أن نتساءل: هل مهمة الجامعة أن تُخرّج موظفين فقط؟ وهل يمكن اختزال دور الجامعة على إعداد الكوادر لسوق العمل؟ وعندها يتحول التعليم إلى تدريب مهني ضيق وتضعف مهارات التفكير النقدي وتتراجع مكامن الإبداع ويصبح الخريج قابلًا للاستبدال مع تغيّر السوق. وبالمقابل هل يفترض أن تنتج الجامعة مثقفًا مجرداً متشبعاً بالتكوين النظري لكنه يعاني من ضعف الفرص الوظيفية والنتيجة حدوث انفصال بين التعليم والواقع؟ أم أن مؤسسات التعليم العالي لديها القدرة على صنع الإنسانً المتكامل الذي يمتلك القدرة على العمل والتفكير معاً من خلال تزويده بالمعرفة التخصصية القابلة للتطبيق وتنمية الحس النقدي والوعي الإنساني وبناء المهارات المرنة التي تساعد على النجاح في بيئات العمل والحياة عمومًا؟

ولا شك أن التوازن بين تلك الخيارات هو التحدي الحقيقي الذي يواجه المنظومة التعليمية بشكل عام لأنه يمسّ قضية حساسة جداً ألا وهي الهوية الجامعية. ولعل المهتمين بهذا الشأن يتذكرون أن الفترة التي سبقت التوسع في افتتاح الجامعات كان لدينا جامعات تركز على التخصصات العلمية وجامعات تستهدف العلوم الشرعية والإنسانية. وعلى سبيل المثال فالجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد بن سعود لم يكن فيها كليات طب أو هندسة، ولم يكن ذلك أمراً معيباً بأي شكل من الأشكال بل كان ذلك انعكاساً لوجود هوية جامعية متميزة وشخصية واضحة وفريدة تنعكس في رؤيتها وبرامجها وتضمن جودة مخرجاتها التعليمية.

ومع تزايد أعداد خريجي الثانوية العامة برزت مطالب بفتح المزيد من كليات الطب والهندسة في تلك الجامعات استجابةً لضغط القبول وحاجات السوق. غير أن هذا التوسع تمّ دون تخطيط استراتيجي واضح وكانت النتيجة إضعاف التميّز الذي عُرفت به تلك الجامعات ذات الطابع الإسلامي وأدّى إلى تآكل هويتها الخاصة. فبدل أن تحافظ على رسالتها العلمية والفكرية المتفردة انجرفت نحو محاكاة النماذج السائدة فتحولت إلى مؤسسات تقليدية متشابهة في برامجها وتوجهاتها. ومع هذا التحول غابت الرؤية الواضحة وتكررت التخصصات دون ابتكار حقيقي أو إضافة نوعية مما أضعف جودة المخرجات وقلل من قوتها الأكاديمية. كما تقلّص الدور المجتمعي للجامعة فلم تعد فاعلًا مؤثراً في معالجة قضايا المجتمع أو الإسهام في تنميته. ونتيجة لذلك بدأ حضورها العلمي والثقافي يتراجع تدريجيًا وتبهت مكانتها بين المؤسسات الأكاديمية حتى أصبحت أقرب إلى كيان تعليمي تقليدي يؤدي وظيفة اعتيادية دون أن يحمل بصمة مميزة أو رسالة راسخة تُعبّر عن هويته.

وخلاصة القول إن الهوية الجامعية المتميزة لا تختزل في شعار يُرفع أو عبارة تُردَّد، بل هي منظومة متكاملة تتجسّد في الممارسة اليومية وتنعكس في جودة التعليم وفاعلية مخرجاته. فهي تظهر في مناهج تُنمّي التفكير النقدي وتُعزّز الإبداع وتربط المعرفة بالواقع وفي خريجين يمتلكون الكفاءة المهنية والوعي القيمي معًا. كما تتجلى هذه الهوية في الدور المحوري للجامعة بوصفها فاعلًا اجتماعيًا وثقافيًا لا يكتفي بنقل المعارف بل يسهم في تشكيل شخصية المواطن وترسيخ منظومة من القيم التي تقوم على المسؤولية والانتماء. ويمتد هذا الدور ليشمل الإسهام في الإلهام الثقافي والتربوي عبر البحث العلمي الرصين والمبادرات المجتمعية والشراكات التي تعالج قضايا الواقع. وعندما تنجح الجامعة في تحقيق هذا التكامل، فإنها تتحول إلى منارة فكرية تُوجّه الوعي وتُعزّز الثقافة، وتغرس قيم المواطنة الصالحة وتدفع الأجيال نحو الإبداع وتحمل المسؤولية. وهنا تؤدي رسالتها الحقيقية بوصفها مؤسسة تصنع المستقبل لا مجرد جهة تمنح الشهادات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى