
في النماذج التقليدية للإدارة، تُفهم الفجوة على أنها مسافة ثابتة بين واقع قائم وواقع مأمول، تُغلق بمزيد من الجهد، وبمرور الوقت، وبالالتزام بالإجراءات. لكن في البيئات التشغيلية عالية التعقيد، وخصوصًا في مواسم الحج، تتغير طبيعة المعادلة بالكامل. فهنا قد لا نواجه “فجوة ثابتة” يمكن تقليصها تدريجيًا، بل نواجه فجوة متحركة، تتمدد وتتبدل مع كل رحلة جوية، وكل قدوم بري، وكل تحديث بيانات، وكل تغير ميداني في مواقع الحجاج ومساراتهم.
ومن هنا، لا تعود المسألة مجرد “إغلاق فجوة”، بل تصبح إدارة منظومة متغيرة تحت ضغط الزمن، وكثافة التدفق، وتداخل الجهات، وتبدل الواقع.
لحظة الاستدعاء: حين لا يكون الرقم هو المشكلة
في يوم 11 ذو القعدة 1446هـ، تم تكليفي بالإشراف العام على ملف بطاقات “نسك”، في وقت كانت المؤشرات تشير إلى نسبة تفعيل تقارب 75.85%، مع فجوة تشغيلية بلغت 28,074 بطاقة. وذلك بسبب تباين بين المعلومات المدخلة مسبقاً من بعض البعثات وبين الواقع، لأسباب قاهرة في بلدان تلكم البعثات، فلا لوم على أحد في هذه الحالة.
ظاهريًا، تبدو المسألة معركة أرقام: بطاقات غير مفعّلة، فجوة مرتفعة، وقت ضيق، وضغط متزايد.
لكن القراءة القيادية المبكرة لم تتوقف عند الرقم نفسه، بل اتجهت إلى سؤال أكثر أهمية:
هل المشكلة في حجم الفجوة؟ أم في طبيعة الفجوة؟
وهذا النوع من الدخول القيادي في لحظة التأزم يمكن توصيفه في علم القيادة بـ : (تفعيل القيادة في لحظة الأزمة) “Crisis Leadership Activation”، أي: دخول القيادة في الوقت الذي لم تعد فيه الإجراءات الروتينية كافية.
*******
التشخيص العميق: من ظاهر المشكلة إلى جذورها
منذ اللحظة الأولى، لم أكتفِ بقراءة ملخصات التقارير أو متابعة المؤشرات العامة، بل دخلت مباشرة إلى النظام مع الفريق التقني مشكورا، وبدأت تحليل البيانات بشكل يومي دقيق، مع مقارنة متوازية بين:
– البيانات المدخلة في المنصة.
– البطاقات المطبوعة والمفرزة.
– أعداد الحجاج الواصلين فعليًا.
– مواقع وجودهم على أرض الواقع.
هذا النمط القيادي يُعرف بـ : (القيادة التشخيصية العميقة) ” Deep Diagnostic Leadership “، أي: أن القائد لا يكتفي بالنظر إلى الأعراض، بل يغوص إلى البنية الداخلية للمشكلة، ويحلل الخلل من جذوره. ومع هذا التحليل، ظهرت الحقيقة الحاسمة:
الحجاج في المدينة… وبطاقاتهم في مكة، وفي حالات أخرى: الحجاج في مكة… وبطاقاتهم في المدينة.
وهنا لم تعد المشكلة “تأخرًا في التوزيع”، بل اتضح أنها فجوة بين البيانات والواقع. وقد كان جزء كبير من الخلل راجعًا إلى أن منظومة بطاقات “نسك” تعتمد في أصلها على البيانات المدخلة من بعثات الحج عبر الأنظمة الرسمية، وتشمل:
تواريخ الوصول، جهة القدوم، موقع السكن، مسارات الحجاج بين مكة والمدينة.
لكن مع الطبيعة المتغيرة للحج، لم تكن بعض البيانات المدخلة من بعض البعثات محدثة بالقدر الكافي لتعكس الواقع الفعلي المتحرك على الأرض؛ بسب ظروف خارجة عن إرادة بعض البعثات كما أسلفنا. وكانت النتيجة أن تُطبع بطاقات، وتُفرز، وتُجهز، وتُنقل، بناءً على واقع معلوماتي لم يعد مطابقًا للواقع الميداني. وهذا التحول في فهم المشكلة يُعرف في علم القيادة بـ : (إعادة تأطير المشكلة من الجذر) ” Root Cause Reframing”، أي: الانتقال من التعامل مع العرض الظاهر إلى إعادة تعريف طبيعة المشكلة نفسها.
*******
فهم طبيعة الأزمة: فجوة متحركة لا فجوة ثابتة
الذي جعل هذه الحالة بالغة التعقيد، أن الفجوة لم تكن رقمًا ثابتًا يمكن تقليصه تدريجيًا، بل كانت تتحرك وتتجدد أثناء العمل على معالجتها. ففي الوقت الذي كنا نعمل فيه على معالجة آلاف البطاقات غير المفعّلة:
– كانت رحلات جديدة تصل عبر الجو.
– وكانت أعداد أخرى تدخل عبر المنافذ البرية.
– وكانت مواقع سكن بعض الحجاج تتغير.
– وكانت البيانات تُحدّث أو تُصحح بشكل مستمر.
– وكانت بطاقات تُكتشف في غير موضعها الصحيح.
– وكانت حالات جديدة تظهر أثناء إغلاق الحالات القديمة.
بمعنى أوضح:
لم نكن نطارد فجوة واحدة.. بل كنا ندير فجوة تتمدد أثناء معالجتها. وهنا ينتقل التحدي من مجرد “تشغيل” إلى إدارة ديناميكية لمنظومة متغيرة تحت ضغط مستمر. وهذا النوع من الحالات يُصنف في علم القيادة ضمن: (أزمة تكيفية معقدة) “Complex Adaptive Crisis “، أي: أزمة متعددة العناصر، متحركة، لا تصلح معها الحلول الخطية الجاهزة، لأن المشكلة نفسها تتبدل مع الوقت.
********
مصفوفة السيطرة التشغيلية:
ومن أجل فهم هذا النوع من التحديات بصورة أوضح، يمكن صياغة نموذج تحليلي أُسميه: (مصفوفة السيطرة التشغيلية) Operational Control Matrix” “، وتقوم هذه المصفوفة على محورين رئيسيين:
* المحور الأول: سرعة التدفق “Flow Velocity “. أي: سرعة دخول الحجاج وتحركهم وانتقالهم وتغير مساراتهم.
* المحور الثاني: دقة البيانات ” Data Accuracy”، أي: مدى تطابق البيانات في النظام مع الواقع الميداني الفعلي.
وعند تقاطع هذين المحورين تظهر أربع حالات تشغيلية:
1/ (سرعة عالية + دقة منخفضة) – وهنا تنشأ الفوضى التشغيلية؛ لأن الحركة تتسارع بينما الصورة المعلوماتية غير دقيقة.
2/ (سرعة منخفضة + دقة عالية) – وهنا يكون الوضع مستقرًا نسبيًا، لكن الأداء قد يكون بطيئًا أو أقل كفاءة.
3/ (سرعة منخفضة + دقة منخفضة) – وهنا يكون النظام في حالة ضعف أو شبه انهيار، حتى لو لم يظهر ذلك سريعًا.
4/ (سرعة عالية + دقة عالية) – وهنا تتحقق السيطرة التشغيلية؛ لأن المنظومة قادرة على مواكبة الواقع بسرعة، مع صورة معلوماتية دقيقة.
ومن هنا يمكن القول: تظهر “الفجوة المتحركة” تحديدًا عندما ترتفع سرعة التدفق، وتنخفض دقة البيانات. وهذا ما كان جوهر الحالة التي واجهناها.
*******
التحول الحاسم: الخروج من النظام إلى الواقع
أمام هذا التعقيد، كان واضحًا أن تحسين الأداء داخل النظام وحده لن يكون كافيًا. ففي مثل هذه الحالات، لا يكفي أن تراجع التقارير، بل يجب أن تخرج إلى الواقع الذي تتحدث عنه التقارير. ومن هنا اتخذت قرارًا مباشرًا بالتوجه إلى المدينة المنورة.
وخلال 48 ساعة من العمل الميداني المكثف، تم:
– تنفيذ جرد شامل لمستودعات البطاقات.
– مراجعة أماكن وجود البطاقات فعليًا.
– مقابلة بعثات الحج بشكل مباشر.
– الحصول على كشوفات حقيقية ومحدثة للواصلين.
– مطابقة الواقع الميداني مع البيانات المسجلة.
– تحديد البعثات والرحلات والحالات التي تمثل بؤر الخلل الأساسية.
وهنا بدأت الصورة تتضح على نحو كامل.
هذا النمط في علم القيادة يُعرف بـ: (القيادة بالانغماس الميداني) “Field Immersion Leadership”، أي: أن القائد لا يفسر الواقع من خلف الشاشة، بل يذهب بنفسه إلى موضع التشكل الحقيقي للمشكلة.
*******
إعادة بناء المنظومة: من التفكك إلى الشبكية
بعد العودة من المدينة، لم يكن السؤال: كيف نبذل جهدًا أكبر؟ بل أصبح السؤال: كيف نعيد تصميم المنظومة بالكامل بحيث تعالج طبيعة الأزمة، لا مجرد آثارها؟ وبدعم وتمكين كامل من إدارة الشركة، التي وفرت الموارد البشرية والتقنية واللوجستية بسرعة وكفاءة، ومع تعاون مهني ومرن من وزارة الحج والعمرة، بدأنا تنفيذ حزمة من الإجراءات المتكاملة، ليس بوصفها حلولًا جزئية، بل بوصفها إعادة تشكيل كاملة للمنظومة التشغيلية. ومن أبرز ما تم القيام به:
* على مستوى الموارد:
– طلب ميزانية تشغيلية تتيح التحرك السريع.
– تشكيل فرق تشغيلية إضافية في مكة والمدينة.
– زيادة عدد الأجهزة والموارد الداعمة لعمليات الفرز والمعالجة.
* على مستوى الربط بين المدينتين:
– إنشاء خط نقل ساخن مباشر بين مكة والمدينة.
– تفعيل مسار سريع لنقل البطاقات حسب الموقع الفعلي للحجاج.
– إرسال بطاقات الحجاج الموجودين في المدينة من مكة إليها فورًا.
– ونقل بطاقات الحجاج الموجودين في مكة من المدينة إليها في الاتجاه المقابل.
* على مستوى المراكز:
– تزويد مراكز الخدمة بكشوفات شاملة للحجاج.
– تمكين كل مركز من معرفة الحجاج الموجودين لديه ومن هم خارج نطاقه.
– تحويل المراكز من وحدات منفصلة إلى وحدات متعاونة تتبادل البطاقات حسب الحاجة.
– تفعيل دور رؤساء المراكز وتشغيلهم ضمن شبكة مرنة.
* على مستوى البعثات:
– تكوين فرق عمل مباشرة مع البعثات.
– استلام كشوفات محدثة للحجاج أولًا بأول.
– بناء قنوات تواصل مستمرة مع الجهات المعنية في كل بعثة.
– ربط المعلومة الميدانية بالتحديث التشغيلي اللحظي.
* على مستوى الاتصالات:
إنشاء مجموعات تشغيل مباشرة تضم:
– الفرق الميدانية في مكة.
– الفرق الميدانية في المدينة.
– مسؤولي المراكز.
– فرق النقل بين المدينتين.
– ممثلي البعثات. بحيث تصبح المعلومات حيّة، وسريعة، ومتزامنة.
في هذه المرحلة، لم نعد ندير “مكاتب” أو “مراكز” بشكل منفصل، بل بدأنا ندير شبكة تشغيل متكاملة. وهذا ما يُعرف في علم القيادة بـ 🙁 إعادة تشكيل المنظومة التشغيلية) “Operational Reconfiguration “، (القيادة الشبكية) ” Network-Based Leadership”.
********
غرفة العمليات: حين تتحول البيانات إلى سيطرة
كانت الخطوة المفصلية التالية هي إنشاء غرفة عمليات موحدة، عبر بناء لوحة متابعة تشغيلية دقيقة باستخدام ملف
Excel Dashboard”” ، يتم تحديثها مرتين يومياً، ومن خلال هذه اللوحة، كنت أجمع البيانات من:
– الفرق الميدانية.
– مراكز الخدمة.
– البعثات.
– حركة نقل البطاقات بين مكة والمدينة.
– الحالات الجديدة.
– الحالات المعالجة.
– الفجوات المتبقية.
– التطور في نسب التفعيل … ثم تُحلل هذه البيانات بصورة مستمرة، وتُسقط على الواقع، وتُبنى عليها التوجيهات والقرارات اليومية.
وهنا لم تعد القرارات تُتخذ بناءً على الانطباعات، بل على بيانات حيّة متحركة. وهذا يمثل جوهر: (القيادة المعتمدة على البيانات) Data-Driven Leadership” “.
*******
الاستباقية التكيفية: رؤية المشكلة قبل أن تكتمل
والذي مكّن هذا التحول لم يكن فقط المعالجة، بل القدرة على التنبؤ والتصرف قبل تفاقم الأثر. وهذا ما يمكن تعريفه بمصطلح: (الاستباقية التكيفية) ” Adaptive Proactivity “، ومعناه: القدرة على اتخاذ قرارات استباقية مبنية على إشارات الواقع الميداني، قبل أن تظهر المشكلة بصورة كاملة في البيانات أو المؤشرات الرسمية. فبعض الأزمات لا تنتظر حتى يكتمل شكلها الرقمي، والقائد الفعّال هو الذي “يشم رائحة الخلل” من الميدان قبل أن يصرخ به النظام.
*******
نقطة التحول: من الفوضى إلى التحكم
ابتداءً من 23 ذو القعدة، بدأت الأرقام تحكي قصة مختلفة وبدأت بالتصاعد..
– فقد ارتفعت نسبة التفعيل من 75.85% إلى 93.93%.
– وتقلصت الفجوة من 28,074 بطاقة إلى 10,032 بطاقة.
لكن الإنجاز الحقيقي لم يكن في الوصول إلى الرقم النهائي فقط، بل كان في:
– السيطرة على حركة الفجوة نفسها… فالمشكلة لم تكن رقمًا ساكنًا، بل وضعًا يتبدل ويتجدد باستمرار، والنجاح الحقيقي بفضل الله وتوفيقه كان في تحويل المنظومة من حالة ملاحقة متأخرة، إلى حالة تحكم متقدم. وهذا ما يمكن توصيفه بـ 🙁 نقطة التحول في استعادة النظام) ” System Recovery Inflection Point”، أي: اللحظة التي ينتقل فيها النظام من وضع الاستنزاف إلى وضع الاسترداد والسيطرة.
*******
شراكة النجاح: تكامل الأدوار لا بطولة الفرد
من المهم جدًا التأكيد على أن هذا النجاح لم يكن جهدًا فرديًا معزولًا، بل كان نتيجة تكامل فعّال بين عدة أطراف:
– إدارة الشركة: كان لها دور محوري في الدعم والتمكين، وتوفير الموارد بسرعة، وفتح المجال للتحرك والتصحيح، وتمكين الفرق من العمل بالكفاءة المطلوبة.
– وزارة الحج والعمرة: قدمت نموذجًا احترافيًا في المرونة والتعاون والدعم، وأتاحت مساحة عملية مهمة للتعامل مع التعقيدات الميدانية، وكان لتفاعلها الإيجابي أثر واضح في تيسير الحلول.
– بعثات الحج: ساهمت في تحديث البيانات والتنسيق الميداني، وكانت جزءًا من المعالجة لا مجرد متلقٍ للخدمة.
وهذا التكامل يمثل في علم القيادة: (مواءمة أصحاب العلاقة) “Stakeholder Alignment “، أي: جعل جميع الأطراف ذات العلاقة تتحرك في اتجاه واحد، رغم اختلاف مواقعها وأدوارها.
*******
كيف يتحول هذا النموذج إلى نموذج إجرائي تشغيلي؟
هذه الحالة لا تمثل تجربة خاصة بملف بعينه فقط، بل تقدم نموذجًا إجرائيًا تشغيليًا يمكن استخدامه في حالات مشابهة.
ويمكن صياغته في سبع خطوات عملية:
1/ (اكتشاف الفجوة) ” Gap Detection “. رصد الفرق بين المستهدف والواقع.
2/ (التحقق الميداني) ” Field Validation”. النزول إلى الميدان للتحقق من حقيقة الوضع.
3/ (إعادة تعريف المشكلة من الجذر) ” Root Reframing “. عدم الاكتفاء بما يظهر في البداية.
4/ (إعادة بناء المنظومة) ” System Reconfiguration”. تغيير طريقة العمل، لا فقط تسريعها.
5/ (المزامنة التشغيلية) ” Operational Synchronization “. ربط جميع الأطراف في شبكة واحدة.
6/ (تفعيل غرفة العمليات) ” Command Center Activation “. جمع المعلومات الحية في مركز قرار موحد.
7/ (القيادة بالبيانات) “Data-Driven Control “. التوجيه اليومي المستمر على أساس معلومات دقيقة.
*******
متى يُستخدم هذا النموذج؟
يُستخدم هذا النموذج عندما تظهر إحدى العلامات التالية:
– وجود بيانات تبدو صحيحة لكن الواقع مختلف.
– تكرر المشكلة رغم زيادة الجهد.
– تعدد الأطراف مع ضعف التنسيق.
– ضغط زمني مرتفع.
– تغير ميداني سريع.
– فوضى في النتائج رغم وجود نظام وإجراءات.
فهنا غالبًا لا تكون المشكلة في الأفراد، بل في تصميم المنظومة.
*******
لماذا يُستخدم هذا النموذج؟
لأنه:
– يعالج الجذر لا العرض.
– يعيد ربط الواقع بالنظام.
– يحول العمل من رد فعل إلى تحكم.
– يسمح بالتعامل مع الأنظمة المتحركة.
– يرفع كفاءة القرارات في البيئات المعقدة.
– يقلل الهدر الناتج عن سوء التزامن بين المعلومات والواقع.
*******
كيف يمكن الاستفادة منه في قطاعات الحج؟
هذا النموذج يمكن تطبيقه داخل الحج في قطاعات كثيرة، لأن لبّه ليس “البطاقات”، بل إدارة الفجوة المتحركة بين البيانات والواقع.
1/ (التفويج) إذا كانت الجداول تقول شيئًا، لكن حركة الحجاج الفعلية تقول شيئًا آخر، فإن النموذج يُستخدم لـ:
– التحقق ميدانيًا من مسارات الحركة.
– إعادة توزيع التفويج.
– ربط المراكز والمرشدين وغرف المتابعة.
– تحديث المسارات والقرارات بناءً على الواقع لا الخطة فقط.
2/ (النقل) إذا كانت الحافلات متوفرة ومع ذلك يوجد تأخير، فقد يكون الخلل في:
– نقاط التحميل.
– تدفق الحشود.
– توقيتات التحرك.
– دقة معلومات الوصول، وهنا يُستخدم النموذج لكشف الفجوة، ثم إعادة تشكيل منظومة النقل ميدانيًا.
3/ (الإسكان) إذا كانت الأنظمة تشير إلى أن الحاج في سكن معين، بينما وجوده الفعلي في موقع آخر، فإن النموذج يُستخدم لـ :
– التحقق من واقع التسكين.
– تحديث بيانات الإشغال.
– إعادة ربط السكن بالنقل والتفويج والخدمات.
4/ (الإعاشة) إذا كانت الخطط تشير إلى تغطية كاملة، لكن الواقع يشهد نقصًا أو هدرًا، فيمكن استخدام النموذج لـ :
– كشف الفجوة بين التقدير والاستهلاك الفعلي.
– إعادة توزيع نقاط الإمداد.
– الربط بين تدفق الحجاج وتوقيتات الخدمة.
5/ (الخدمات الصحية) إذا كانت الأسرّة أو الكوادر متوفرة لكن الضغط لا يزال مرتفعًا، فقد يكون الخلل في تدفق الحالات أو توزيعها، وهنا يُستخدم النموذج لـ:
– فحص الواقع.
– إعادة توزيع الحالات.
– ربط المراكز الصحية في غرفة متابعة موحدة.
6/ (إدارة الحشود) حين تكون الخطة الورقية ممتازة لكن الواقع الميداني متغير، يُستخدم النموذج لتحديث الفهم الفعلي للحركة، ثم إعادة الضبط المستمر للانتشار والتموضع والتوجيه.
*******
كيف يمكن الاستفادة منه داخل المملكة؟
هذا النموذج لا يخص الحج فقط، فهو ينسجم مع توجه المملكة في بناء منظومات تشغيلية ذكية قابلة للتكيف مع التغيرات السريعة، خصوصاً في المشاريع والبرامج المرتبطة برؤية 2030، فهو يصلح في كل بيئة يوجد فيها:
– تدفق بشري أو لوجستي مرتفع.
– معلومات لا تواكب التغيرات.
– تعدد جهات.
– ضغط زمني.
– أثر مباشر على الخدمة أو السمعة أو السلامة.
1/ (المشاريع الكبرى) مثل المشاريع الوطنية الضخمة، حيث قد تتوفر الخطط، لكن الواقع التنفيذي يتغير بسرعة.
هنا يُستخدم النموذج لضبط العلاقة بين الخطة والواقع، وإعادة البناء وفق المتغيرات.
2/ (إدارة الكوارث) في الحرائق، السيول، الطوارئ، قد تكون الموارد موجودة، لكن توزعها غير متزامن مع الواقع.
ويُستخدم النموذج هنا للنزول للميدان، واكتشاف الفجوة، وإعادة توزيع الموارد، وبناء غرفة قيادة موحدة.
3/ (القطاعات اللوجستية) حين تتأخر الإمدادات أو تتكدس رغم وجود النظام، يكون الخلل غالبًا في التزامن بين البيانات والحركة الفعلية. ويُستخدم النموذج لكشف هذا الخلل ثم ضبطه.
4/ (الفعاليات الكبرى والمواسم) حين يوجد جمهور ضخم، وتدفقات متحركة، وخدمات متعددة، فإن هذا النموذج يصبح أداة فعالة لإدارة الواقع المتغير بدل الاكتفاء بالخطة النظرية.
*******
كيف يمكن الاستفادة منه عالميًا؟
عالميًا، يمكن لهذا النموذج أن يُستخدم في كل بيئة تتصف بأنها نظام متحرك عالي التعقيد.
1/ (إدارة الكوارث الطبيعية) حين تتغير مواقع المتضررين بسرعة، وتصبح البيانات متأخرة عن الواقع، يُستخدم النموذج لإعادة مطابقة المعلومات بالواقع وإعادة توجيه التدخل.
2/ (سلاسل الإمداد العالمية) إذا كانت الأنظمة تشير إلى توفر البضائع أو المسارات، بينما الواقع يشهد اختناقات، فإن النموذج يساعد على كشف الفجوة بين النظام والحركة الفعلية، ثم إعادة تشكيل الشبكة.
3/ (العمليات العسكرية أو الأمنية) حين تتغير مواقع الأفراد أو الأولويات أو التهديدات، ويصبح الواقع أسرع من النظام، يمكن استخدام النموذج للربط بين الميدان والقرار وغرفة القيادة.
4/ (شركات التقنية والتشغيل) حين يكون المنتج أو النظام ممتازًا على الورق، لكن تجربة المستخدم مختلفة على الأرض، فإن النموذج يكشف الفجوة بين التصميم والاستعمال الفعلي.
5/ (الفعاليات الرياضية والدولية الكبرى) الأحداث التي تجمع آلاف أو ملايين الأشخاص تحتاج نموذجًا كهذا لضبط العلاقة بين التدفق البشري، والخدمات، والمعلومات، والقرارات.
*******
الخلاصة القيادية
ما واجهنا في هذه الحالة لم يكن مجرد تحدٍ تشغيلي في ملف بطاقات، بل نموذجًا عمليًا لما يمكن تسميته: (قيادة استعادة السيطرة التشغيلية) ” Operational Recovery Leadership “، ومعناه:
** قيادة تستهدف استعادة السيطرة على منظومة اضطربت،
عبر فهم الفجوة، وفهم حركتها، ثم إعادة ربط الواقع بالنظام،
قبل أن تتحول الأزمة إلى فقدان تحكم كامل.
*******
الكلمة الأخيرة
في البيئات المعقدة:
– قد لا تنجح الحلول الخطية فقط.
– وقد لا تكفي زيادة الجهد فقط.
– وقد لا يكفي تحسين جزء داخل منظومة.
** القيادة الحقيقية هي: أن ترى ما لا يظهر في البيانات، وأن تفهم ما لا يقوله النظام، وأن تنزل إلى الواقع، ثم تعيد تصميم المنظومة، قبل أن تتسع الفجوة ويصبح التحكم أصعب.
وفي هذا المعنى، فإن بعض الإنجازات لا تكمن في “إغلاق الفجوة”، بل في القدرة على فهمها حين تتحرك، ثم السيطرة عليها قبل أن تبتلع المشهد كله.
لعلي أسهبت.. ولكن أحببت أن أشارك هذه التجربة رجاء النفع بها في وطننا الغالي في ظل قيادتنا الطموحة.. وبالله وحده التوفيق.
• أستاذ الفقه المساعد بجامعة الملك عبد العزيز
• رئيس لجنة التفويج بالمجلس التنسيقي لشركات الضيافة ومقدمي خدمة حجاج الخارج




مقال عظيم وممتاز لنشر تجربة ناجحه وفعاله في خدمة الحجاج وبما يمكن تطبيقه مع قطاعات كثيره.
اسأل الله لك دوام التوفيق والحفظ..