تمهيد:
يكثر الأخذ والرد والكتابة هذه الأيام عن جامعة الملك سعود وتعليقها( إلغائها) بعض التخصصات الإنسانية. هذه المقالة للدكتور غازي القصيبي ( يرحمه الله) بالإنجليزية في كتابه ((Arabian Essays / مقالات عربية/ الذي صدر عام 1982
بدأت بترجمة هذ المقال منذ سنة ثم تركته، والآن أكملت الترجمة( للأمانة العلمية استعنت بالذكاء الاصطناعي في ترجمة بعض الجمل وترتيبها)
ترجمة :علي عويض الأزوري
يمكن تناول هذا الموضوع من خلال ثلاثة أسئلة:
من الذي نقبلُه في الجامعة؟
ما أهداف التعليم الجامعي؟
ما دور الجامعة في المجتمع؟
يمثل السؤال الأول مشكلة جدية وهامة للغاية، مشكلة يجب أن نحاول الإجابة عنها بوضوح وشجاعة. فبعض الناس يعتقدون أن أي شخص أنهى المرحلة الثانوية يحق له الالتحاق بالجامعة. وقد أخذت بعض الدول العربية بهذا المبدأ بالفعل، وفتحت أبواب جامعاتها لكل من يرغب في الانضمام لها. وكانت النتيجة أن هذه الدول زادت بسرعة من عدد الخريجين، مما أدى إلى كابوس حقيقي يتعلق بكيفية توفير وظائف لهم، خاصةً لخريجي التخصصات النظرية.
لقد وصل الأمر في بعض الدول إلى أن خريجي القانون أصبحوا يعملون ككتبة في الوزارات، وخريجي الجغرافيا صاروا يدرّسون اللغة العربية، وخريجي الفلسفة وعلم الاجتماع يعملون في وظائف تجارية مثل الاستيراد والتصدير.واليوم، هناك من يطالب في المملكة العربية السعودية باتباع السياسة نفسها، بحجة أننا نحتاج إلى جميع أنواع المؤهلات، وأن التعليم حق للجميع، وأن الحصول على شهادة يساعد الفرد على تحقيق مستوى معيشي أفضل.دعونا ننظر إلى هذه الحجج واحدةً تلو الأخرى:
الحجة الأولى — حاجتنا إلى أشخاص مؤهلين — تُستخدم في كل مناسبة تقريبًا. لكنها تُستخدم بطريقة عامة وغير دقيقة لدرجة أنها أصبحت مجرد عبارة مكررة، يمكن أن تعني كل شيء ولا تعني شيئًا. بالطبع نحن بحاجة إلى أشخاص مؤهلين، ولكن من الذي نحتاجه أكثر؟ الكهربائي أم الاقتصادي؟ الحرفي الماهر أم اللغوي؟ المستشار الزراعي أم عالم السياسة؟تسمع إجابات مختلفة من أشخاص مختلفين، لكنني شخصيًا لا أتردد في القول إنه في المرحلة الحالية من تطورنا نحن بحاجة إلى العمال المهرة والحرفيين أكثر من حاجتنا إلى المتخصصين في الاقتصاد والسياسة واللغويات. إن حاجتنا الأساسية ليست للمهارات النظرية أو الأدبية، بل للمؤهلات العملية والتقنية. بل إنني أذهب أبعد من ذلك وأقول إنه في هذه المرحلة نحن بحاجة إلى الممرضات أكثر من حاجتنا إلى الأطباء، وبحاجة إلى العمال المهرة أكثر من حاجتنا إلى المهندسين، وإلى الكتبة ومسّاحي الأراضي أكثر من كتّاب الاقتصاد.إن الحديث عن فتح أبواب الجامعة بحجة زيادة عدد المؤهلين حديث مضلل إذا كان الخريجون غير مؤهلين بالشكل الذي نحتاجه. فالكثير من المؤهلات التي نحتاجها موجودة خارج الجامعات، في مجالات الحِرَف والصناعات.ومن السهل الاتفاق على أن التعليم حق للجميع، لكن السؤال الحقيقي هو: أي نوع من التعليم؟
يجب أن تتاح لكل فرد فرصة الحصول على تعليم يتوافق مع فرص العمل، ومع مواهبه وقدراته، ومع احتياجات المجتمع. ولا أحد يدعو إلى منع من يريد — ويملك المؤهلات — أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا. (وربما السبب في استثناء هذين التخصصين هو خوفنا جميعًا من أن نقع في يد جرّاح ينسى مشرطه في بطن المريض، أو مهندس يبني مبنى دون اهتمام كافٍ بالأساسات!)ومع ذلك، ستجد الكثيرين يصرّون على أن تفتح بقية الكليات أبوابها للجميع، وكأن دراسة العلوم الطبيعية والإنسانيات لا تتطلب مستوى عقليًا معينًا أو قدرًا من الانضباط الذهني والقدرة على التطبيق.والحقيقة أن التعليم الجامعي يحتاج إلى عقلية خاصة لا تتوفر لدى جميع خريجي الثانوية. والإصرار على قبول طلاب يفتقرون إلى هذه القدرات سيؤدي إلى أحد نتيجتين:
إما أن يجرب هؤلاء الطلاب حظهم في الجامعة ثم يتركونها بعد إضاعة وقتهم، وهم يشعرون بالمرارة؛
أو أن نضطر إلى خفض المستوى العام للتعليم الجامعي حتى يتمكن الجميع من التخرج.
إن الطريق الأكثر شرفًا وفائدة للطالب الذي لا تتناسب مواهبه وقدراته مع الدراسة الجامعية هو التوجه إلى نوع من التدريب الفني، بحيث يحصل على تعليم يتوافق مع إمكاناته الفردية. بل من الأفضل ألا ننتظر حتى نهاية المرحلة الثانوية قبل أن نوجّه عددًا من الطلاب نحو التدريب الفني والصناعي.تبقى الحجة الثالثة: وهي الدعوة إلى فتح أبواب الجامعة للجميع بحجة أن الحصول على شهادة جامعية يحسّن الوضع الاجتماعي والمادي للفرد. ولا شك أننا — كمجتمع ودولة — نبالغ في تقدير قيمة الشهادة الجامعية إلى درجة تدفع الشباب إلى السعي وراءها بدلًا من الالتحاق بالمدارس الفنية والمهنية.لقد كنا في الماضي ننتظر عودة الخريجين من الخارج ليصنعوا المعجزات. عاد الخريجون، واكتشفنا أنهم لا يختلفون كثيرًا عن الجيل الأول من العصاميين — وما زالت المعجزات تنتظر من يحققها. ورغم فشل هذه التجربة، ما زالت عقدة الشهادة الجامعية قائمة، حتى ليبدو للخريج أنه يعرف كل شيء في مجال تخصصه. فحامل الماجستير يظن نفسه من كبار العلماء، وحامل الدكتوراه يعتقد أنه يفهم بطبيعة الحال جميع الفنون والعلوم والآداب.لقد أصبحت الشهادة هدفًا بحد ذاتها، لا وسيلة؛ أصبحت نهاية الكفاح بدلًا من بدايته الحقيقية. فعندما يستلم الخريج شهادته يتخيل أنه توّج عمل حياته.لقد حان الوقت لأن نزيل البريق عن الشهادة الجامعية، وأن ننظر باحترام وتقدير إلى شهادات الكفاءة في الحرف والصناعات، وأن نكافئ أصحابها ماديًا بما يوازي ما يحصل عليه زملاؤهم الجامعيون؛ فهذا النهج سيكون أكثر فائدة للمجتمع من الاستمرار في تمجيد الشهادة الجامعية واحتقار ما دونها.وهناك نقطة ثانية تستحق الاهتمام، وهي تتعلق بأهداف التعليم الجامعي. فبعض الناس يعتقدون أن هدف الجامعة هو تزويد الطلاب بقدر محدد من المعرفة ليضمنوا الوصول إلى مستوى الشهادة عبر الامتحانات. لكن الحقيقة أنه لو كان هذا هو الهدف من التعليم الجامعي، لوجب علينا أن نعيد النظر في نظامنا ونقرر ما نحتاج إليه من تعديل وتحسين.
أما في رأيي، فهدف التعليم الجامعي ليس مجرد تزويد الطالب بكمية من المعلومات — فهذه مهمة يمكن تركها للكتب المرجعية والموسوعات والكتب الدراسية… الجداول الإحصائية — بل تزويده بمهارة محددة في مجال تخصصه. فليس مهمًا أن يعرف طالب القانون جميع القوانين والأنظمة عن ظهر قلب، بل المهم أن يكتسب خلال دراسته القدرة القانونية والبصيرة التحليلية التي تمكنه من فهم القانون وتفسيره وتطبيقه. وليس مهمًا لطالب الطب أن يحفظ جميع المصطلحات اليونانية المستخدمة في الطب، بل المهم أن يكتسب عقله ويداه المهارات اللازمة التي تمكنه من تشخيص الأمراض ومعالجتها ومتابعة التطورات الطبية. وكذلك ليس من المهم للاقتصادي أن يحفظ الصيغ والمعادلات والسجلات والإحصاءات وأسماء كبار الاقتصاديين، بل المهم أن يمتلك أفكارًا واضحة حول الاتجاهات الاقتصادية والعوامل المؤثرة فيها وتفاعلها مع بعضها ومع المجتمع.إن النقطة المطروحة هنا ليست نظرية فحسب، بل لها أهمية عملية كبيرة. فإذا كان الهدف مجرد تزويد الطلاب بالبيانات، لأمكننا ملء كل صف بمئات الطلاب دون فرض أي شروط أو متطلبات للجدية، ولما كانت هناك حاجة لأن يقوموا بأي بحث نظري أو ميداني. ولكن إذا كان الهدف هو تزويد الطلاب بمهارات محددة قابلة للاستخدام، فيجب أن يُحَدّ عدد الطلاب في كل صف بحيث يسمح بالنقاش وتبادل الآراء. ويجب أن تكون هناك مواظبة منتظمة، ومستوى جيد من الجدية، وامتحانات أسبوعية وشهرية لتقييم — ليس كمية المعلومات التي اكتسبها الطالب — بل مدى تطبيقه وجهده. كما يجب أن يكون البحث عنصرًا أساسيًا في المنهج لتدريب الطلاب.ولم نتحدث بعد عن دور الجامعة في المجتمع. حتى الآن، انشغلت جامعاتنا بما اعتقدت أنه المهمة الأساسية: إنتاج الخريجين، وأهملت دورين مهمين آخرين ينبغي للجامعات أن تضطلع بهما، وهما:
قيادة التقدم العلمي في البلاد، والمشاركة الفعلية والنشيطة في إعادة تشكيل المجتمع وحل مشكلاته الاجتماعية. ومن الواضح أن هذه النقطة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنقطتين السابقتين: فالجامعة التي لا تفرض أي مستوى فكري على من يرغبون في الالتحاق بها، والتي تكتفي بتلقين طلابها البيانات — مثل هذه الجامعة تهدر مواردها، وهي موارد محدودة مهما زادت لتلبية تدفق الراغبين في الدراسة. ومثل هذه الجامعة ستضع التركيز مرة أخرى على المحاضرات وتصحيح الأوراق… من دون أن تترك للمحاضرين وقتًا للبحث العلمي أو النقاش أو المشاركة في شؤون المجتمع. إن الممارسة السليمة تقتضي أن يخصّص عضو هيئة التدريس جزءًا من وقته لإلقاء المحاضرات، ويقضي بقية وقته في المكتبة أو في البحث أو في العمل مع إحدى الوزارات. كما تقتضي الممارسة السليمة أن تلعب كلية التجارة دورًا رائدًا في البحوث الاقتصادية والإدارية، وأن تُسمَع آراء كلية الزراعة في كل ما يتعلق بالشؤون الزراعية في المجتمع، وهكذا. وتقتضي الممارسة السليمة أن يشارك أساتذة القانون في النقاشات المتعلقة بقوانيننا، وصياغتها وتفسيرها. كما ينبغي لأساتذة الاقتصاد أن يشاركوا في وضع الخطط الاقتصادية والمالية للدولة، ولأساتذة الأدب أن يساهموا في توجيه الحركة الأدبية في البلاد.فالجامعة ليست حلزونًا يعيش داخل صدفته غارقًا في سبات أكاديمي عميق. الجامعة جزء حي من المجتمع الذي أنشأها ويدعمها. وروابطها بالمجتمع تفرض عليها خدمة تتجاوز طقوس المحاضرات والتصحيح والنجاح والرسوب.وباختصار، هناك فلسفتان للتعليم الجامعي:
الفلسفة الأولى: وهي التي تتبعها معظم الدول العربية الشقيقة. تقوم على مبدأ قبول جميع خريجي الثانوية في الجامعة، وعلى ملء رؤوسهم بمعلومات جاهزة. وتعتمد في ذلك على الذاكرة، مدفوعة بالخوف من الامتحانات السنوية من جهة، وعلى التركيز على التدريس مع إهمال البحث العلمي وعدم المشاركة في حياة المجتمع من جهة أخرى.
الفلسفة الثانية:
وهي التي تتبعها كثير من الدول المتقدمة. تشترط قبول عدد محدود من الطلاب، وتوجيه البقية نحو الدراسة الفنية أو الصناعية. وتهدف إلى توفير الظروف المثالية للطالب في كل ما يتعلق بدراسته، وتمكينه من اكتساب المهارات والقدرات اللازمة لتخصصه، إضافة إلى قيادة الحركة الفكرية والعلمية في البلاد، والمشاركة الكاملة في مختلف جوانب الحياة المسؤولة في المجتمع.وهذه الفلسفة الثانية هي الأنسب لنا في المملكة العربية السعودية. فجامعاتنا ما تزال في طور النمو، ونحن — كدولة فتية — ما زلنا قادرين على البحث عن الأفضل في كل مجال.




