في زمنٍ باتت فيه القرارات تُتخذ بسرعة وتُنفَّذ بصرامة، وتُعامل المراجعة فيه أحياناً وكأنها ضعفٌ أو تردد، تأتي خطوة إدارة جامعة الملك سعود بالعدول عن قراراتها المتعلقة بإلغاء عددٍ من الكليات والأقسام الإنسانية لتقدّم نموذجاً مغايراً، يستحق الإشادة والتأمل في آنٍ معاً. إنها لحظةٌ تستوقف المتأمل في الشأن الأكاديمي والإداري على حدٍّ سواء، لأنها تكشف عن وعيٍ مؤسسيٍّ يُدرك أن القيادة الحقيقية لا تعني التمسك بالرأي حتى النهاية، بل تعني الانحياز للصواب أينما كان.
لقد أصدرت الجامعة جملةً من القرارات التي أثارت نقاشاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والثقافية، وتفاعل معها عددٌ من المختصين والمفكرين عبر المقالات ووسائل التواصل الاجتماعي، مبدين ملاحظاتهم ومخاوفهم على مستقبل العلوم الإنسانية ودورها في بناء الوعي والهوية والفكر النقدي. والجميل في المشهد أن الإدارة لم تتعامل مع تلك الآراء بوصفها تشويشاً أو معارضةً تستوجب التجاهل كما وصفها البعض، بل أصغت إليها، وأعادت النظر في قراراتها، ثم أعلنت التراجع عنها بكل شفافية ووضوح، دون مواربةٍ أو تسويف.
هذه الخطوة، في جوهرها، ليست تراجعاً بالمعنى السلبي، بل هي تعبيرٌ صادق عن نضجٍ إداريٍّ وفكريٍّ وأكاديمي رفيع. فالمؤسسات العريقة لا تُقاس عظمتها بعدم وقوعها في الخطأ، وإنما بقدرتها على مراجعة ذاتها، والاعتراف بأن القرار الأول قد لا يكون دائماً هو الأصوب. وكما تقول القاعدة الحكيمة: “الخيّر يُقرّر ويُغيّر”، فالذي يملك شجاعة الإقدام على القرار، ينبغي أن يملك الشجاعة ذاتها على تعديله متى ما تبيّن له وجهٌ أصوب.
ولعل في هذا الموقف درساً يتجاوز أسوار الجامعة إلى كل مؤسساتنا وأجهزتنا. فلا عيب أبداً في أن يُخطئ المسؤول، ولا منقصة في أن يُراجع قراره ويُصححه؛ العيب كل العيب أن يُصرّ على الخطأ مكابرةً، أو أن يتمسك بقراره خوفاً على هيبته أو حرصاً على صورته. إن الإنسان الناجح في أي موقعٍ كان هو الذي يعمل ثم يُقيّم عمله، ويُقدم ثم يُراجع إقدامه، ويُخطئ ثم يُبادر إلى التصحيح دون حرج. أما الفاشل حقيقةً، فليس من يُخطئ ويُصحح، بل من لا يعمل أصلاً فلا يقع في خطأ، ويظل عبئاً ثقيلاً على الجهاز الذي يعمل فيه، يستهلك موارده دون أن يُضيف إليه شيئاً. إن الحركة قد تُنتج أخطاءً قابلةً للإصلاح، أما الجمود فهو الخطأ الأكبر الذي لا يُصلَح.
إن العلوم الإنسانية ليست ترفاً أكاديمياً يمكن الاستغناء عنه، بل هي الروح التي تحمي المجتمعات من التسطيح، وتمنح التنمية عمقها، وتُنتج المفكر والأديب والمؤرخ والفيلسوف واللغوي، الذين بهم تكتمل منظومة المعرفة إلى جانب العلوم التطبيقية والتقنية. ولا يمكن لأي رؤية تنموية طموحة أن تستغني عن هذا الرافد الحيوي، لأن الإنسان نفسه هو غاية التنمية ووسيلتها، وكل تنميةٍ تُهمل الجانب الإنساني تتحول مع الزمن إلى بنيانٍ بلا روح.
ومن هنا، فإن الشكر موصولٌ لإدارة جامعة الملك سعود، التي قدّمت درساً بليغاً في فقه الإدارة الرشيدة: أن تُصغي، وأن تُراجع، وأن تُصحّح. كما أن الشكر يمتد إلى كل الأقلام التي كتبت بموضوعيةٍ ومسؤولية، فأسهمت في صناعة هذا الحوار البنّاء، وأثبتت أن الرأي حين يُطرح بلغةٍ علمية هادئة قادرٌ على أن يصنع فرقاً حقيقياً، وأن النقد البنّاء ليس عدواً للمؤسسات بل هو أحد أهم حلفائها في التطور.
إن ما جرى يُعيد الثقة في أن الجامعات ليست مجرد كياناتٍ إدارية مغلقة، بل هي فضاءاتٌ حيّة تتنفس بالحوار، وتتطور بالنقد، وتنمو بالمراجعة. كما يُعيد الثقة في أن القيادات الواعية موجودةٌ بيننا، وأنها قادرةٌ على تجاوز إغراء “حفظ ماء الوجه” إلى فضيلة “حفظ المصلحة العامة”. ونأمل أن تظل هذه الروح حاضرةً في كل القرارات القادمة، وأن تكون نموذجاً تحتذيه الجهات الأخرى في مختلف القطاعات، لتسود ثقافةٌ مؤسسية تُعلي من قيمة الاستماع، وتحتفي بالرأي الآخر، وتؤمن بأن تصحيح المسار فضيلةٌ لا نقيصة، وأن الاعتراف بالخطأ بدايةُ الصواب.
فشكراً لجامعة الملك سعود على هذه الشجاعة، وشكراً على هذا النضج، وشكراً لأنكم ذكّرتمونا بأن “الخيّر يُقرّر ويُغيّر”، وبأن الأمم لا تنهض إلا على أكتاف من يعملون ويُخطئون ويُصححون، لا على من يتفرجون ويُنتقدون ويجمدون.
0



