عامالمقالات

حتمية الفناء.. حين يتصالح الوعي مع لغز الوداع

لا يمكن لأحد أن ينكر على الإنسان حقّه في الحزن حين يطرق الموت باب أحبته، فجميعنا تجرّعنا مرارة الفقد، وإن تفاوتت درجات الألم باختلاف مستوى الوعي لدى الفرد، بل وتختلف داخل الذات الواحدة من موقف لآخر. فنحن لا نحزن على “الموت” كفكرة مجردة، بل نحزن على “الرابط”؛ سواء كان فقيداً من الدرجة الأولى، أو شخصية عامة تركت أثراً، أو زميلاً، أو حتى كائناً أليفاً شاركنا تفاصيل أيامنا.

هنا تبرز فكرة الارتباط الوجودي، حيث يتناسب حجم الألم طردياً مع القرب المشاعري والروحي؛ فننغمس أحياناً في موجة حزن غامرة، بينما لا نتوقف كثيراً عند حالات أخرى، وهذا التباين يضعنا أمام تساؤل عميق حول ماهية
المشاعر ومحلها الصحيح.

لقد استوقفتني قصة نقلتها صديقة عن زميلة لها، أنهم يدفنون جثمان الراحل منهم ويمضون في سبيلهم دون التفاتة، دون هالة من الحزن أو انكسار أمام جلال الموت الذي مرّ بجانبهم؛ فهل يمثل هذا السلوك “وعياً عالياً” أم تبلداً عاطفياً؟ لعلنا نجد العزاء فيما طرحه “سينيكا” في فصل عزاء الإحباط من كتاب عزاءات الفلسفة، حيث يرى أن الصدمة النفسية تنبع من الهوة بين توقعاتنا والواقع. فالعزاء الفلسفي يكمن في إدراك أن الفواجع جزء أصيل من “التصميم” العام للحياة، وأن الوعي الحقيقي يتطلب منا “الاستعداد العقلي” للحتميات. فالموت ليس إحباطاً لخططنا، بل هو جزء من طبيعة الأشياء، وصرف المشاعر في مكانها الصحيح يعني قبول ما لا يمكن تجنبه دون مبالغة في الاندهاش من قدرٍ نعرف سلفاً أنه حق.

في تجاربي الشخصية، عشت الموت عن قرب في مختلف مراحلي العمرية، وكان الحزن حينها يهوي بي إلى أعماق سحيقة، حزناً مغلفاً بعدم الفهم، كأن الفجيعة تكمن في غياب الحضور اليومي للمتوفى. ويحضرني هنا ثبات “سقراط” أمام موته الوشيك، ليس من منظور ميتافيزيقي، بل من منظور “المنطق”؛ فقد علّمنا سقراط -كما يصور دي بوتون- أن الوعي يتطلب منا ألا ننقاد وراء المشاعر العامة الجارفة دون تمحيص، بل أن نواجه الحقائق الكبرى بهدوء العقل الذي لا يزعزعه خوف الآخرين.

ومع مرور الوقت، عبرتُ من ضجيج الجزع إلى سكينة التسليم، باعتبار الموت محطة من محطات الحياة، لا نقيضاً لها. هذا التحول ليس استسلاماً يائساً، بل هو استيعاب لفكرة التصالح مع الحتميات التي تجعلنا نوازن بين رغبتنا في بقاء الأحبة وبين قانون الفناء. إن التسليم بالموت كـ “رحلة” لها مرسى، يمنحنا القدرة على المضي قدماً بقلوب أكثر هدوءاً، ويحول غصة الفقد إلى وعيٍ أعمق يجعلنا نرى في نهاية كل رحلة.. بداية لفهمٍ جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى