
- الرئيس السادات: خسرت أخاً كان أكبر عون وأعظم نصير في الكفاح
- أخبار اليوم : طلب منَّا عدم ذكر الأموال التي دفعها لمصر وقال هذا واجب
(مكة) – هيثم محمد
قالت صحيفة التايمز البريطانية معلقةً على وفاة جلالة الملك فيصل : إن الفيصل يلتقي مع الرئيس جون كنيدي في أن وفاته قد جعلت ملايين البشر يذرفون الدمع عليه..
وإذا كان مئات الألوف من أبناء الشعب السعودي قد عبروا عن تعليقهم بباني نهضتهم وعن لوعتهم لفراقه عن طريق المشاركة إلى جانب العديد من رؤساء الدول العربية والإسلامية والدول الأجنبية الصديقة والمئات من أعضاء الوفود في تشييع جثمانه.. ثم عن طريق آلاف البرقيات التي بعثوا بها إلى جلالة الملك خالد المعظم ، فإن الصحافة العربية قد أوفت هذا الحدث الجلل من حيث التغطية وأفردت على مدى الأيام العشرة الماضية العديد من المقالات والتحليلات عن حياة جلالته ، وعن دوره الكبير في البناء الداخلي وفي دعم الصفوف العربية وكذلك عن إسهامه في البحث عن أسس عادلة لإقامة سلام عالمي ، وكانت معالجة الصحافة العربية لمآثر جلالته وتحليلاتها لآثار غيابه عن مسرح الأحداث موسومة في إجمالها بطابع التقدير الكبير والعرفان العظيم لما فعله من أجل العرب والمسلمين على مدى خمسين سنة من العمل السياسي نذرها لخدمة القضايا العربية والإسلامية .
ولم تكن الصحافة العالمية أقل اهتماما بالحدث الكبير.. ولأول مرة تُجْمِع الصحف الغربية في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وسائر الأقطار على الإشادة بمثل هذه الحرارة بالقيادة الحكيمة التي وفرها الفيصل لبلاده ، وهي قيادة أتاحت المجال كما قالت جريدة لوفيغارو الفرنسية للانتقال بالمملكة من نظام بدائي إلى دولة من القرن العشرين.
التايمز: كانت سماته الأساسية الوفاء لأسرته ولشعبه..
وفي معرض تقيم دولة جلالته قالت جريدة التايمز البريطانية.. إن سمات الملك فيصل الأساسية كانت الوفاء لأسرته ولشعبه وهو وفاء مقرون بالمحفظة وبالواقعية. وقد أتاحت له خبرته لمدة 50 عاما في التعامل مع رجال من شتى الأصناف والأجناس.. وفي ظروف متباينة كثيرا.. أن يستخلص دائما بصورة صحيحة مقومات الوضع ثم اتباع المسلك الأفضل قدرة الذي يقود إلى تحقيق أهدافه الدائمة ، وهي الحفاظ على المملكة التي أنشأها والده وكثيراً ما كانت توجه إليه اللوم على حذره الكثير . لكن في ظل حكمه فإن هذا البلد حقق تقدما كبيرا ورعاياه مدينون له بالامتنان الكبير.
وقالت صحيفة فايننشيال تايمز في معرض الحديث عن إنجازات الفيصل. إن إنجازات الملك فيصل منذ أن تولى مقاليد السلطة حاضرة للأذهان وماثلة للأنظار بحيث لا يستوجب إعادتها إلى الذاكرة فقد جاهد الملك من أجل أن يعيد تنظيم المملكة على نحو يسمح باستخدام موارد الزيت المتزايدة في إيجاد مرافق عامة لبلاده الواسعة. وأضافت أن المملكة تسعى اليوم لكي تحقق في خمس أعوام ما يوازي 30 سنة من التطور لدى شعوب أخرى. وإذا كان ذلك جارياً الآن ، فالفضل هو لفيصل الذي أدرك أن الزيت هو مادة قابلة للنفاذ ، وأن من الضروري المضي في تصنيع البلاد على نحو لم يكن من الممكن تخيله سابقا.
وقالت فايننشيال تايمز: إن عظمة فيصل تكمن في أنه أدرك الحاجة المحتومة لهذا التحول الكبير. مع تمسكه بأن تحافظ المملكة على طابعها المميز كدولة إسلامية لها مبادئها ومثالياتها الدينية والمتوارثة عبر العصور.
ونعتت جريدة التايمز الملك فيصل في مقال افتتاحي تحت عنوان “خسارة ملك صالح ” قالت فيه: “إن الملك فيصل عمل الشيء الكثير من أجل أن يجعل بلده جزءاً من الاقتصاد العالمي بحيث يتسنى له أن ينعم بفوائد التكنولوجيا العصرية. إلى جانب توفير الوقود لهذا الاقتصاد ” وأشارت الجريدة إلى أن الراحل الكبير سعى في نفس الوقت لكي يبقي بلده في منأى عن المؤثرات الضارة التي تفرزها التكنولوجيا العصرية.
لوفيغارو: السير بتصميم على درب التصنيع
وقالت جريدة لوفيغارو في معرض الحديث عن عمل البناء الذي اضطلع به جلالة الفيصل على الصعيد الداخلي. إن المملكة العربية السعودية أخذت تحت حكم فيصل تسلك طريق التصنيع بتصميم وبحذر. بعد أن قرر الملك أن يفتح بلاده تدريجيا أمام المعطيات الفنية وأن يجهزه بمرافق عامة تتناسب مع إمكانياته الهائلة. كان التطور متدرجا لكنه فعلي.. وكانت المملكة تتحول ببطء لكن بصورة أكيدة من العالم القبلي إلى عالم القرن العشرين.
ونوهت جريدة لوموند بدور الفيصل البناء القيادي في البناء الداخلي وفي إرساء دعائم قوية لدولة عصرية فقالت : إن الملك فيصل قد نذر حياته لبلده و للإسلام .. لقد أنشأ أول مدرسة للبنات في المملكة وألغى الرق وأوجد لبلاده إدارة مؤهلة كما أوجد لها جيشا قويا. ونسبت الجريدة إلى دبلوماسي غربي في جدة قوله خلال حكم دام عشر سنوات نجح فيصل في تحويل هذا البلد وفي إرساء قواعده على أسس عصرية حديثة وذكرت لوفيغارو أن الملك فيصل الذي كانت تحت تصرفه ثروات هائلة ، كان يعرف كيف يصغي لرعاياه. كان أول خادم لله وقد نذر نفسه لخدمة البشر. أما حياته المتقشفة فكانت موزعة بين العمل والصلاة. وليست هذه ” الديمقراطية الدينية ” هي أدنى السمات المميزة للمملكة العربية السعودية.
أبرز شخصية في العالم العربي
وإذا كانت الصحافة العالمية قد أولت جانبا كبيرا من اهتمامها بما حققه الراحل الكبير لبلده ، فإنها قد أظهرت قدراً أكبر من الاهتمام بدور جلالته في مجالات السياسية الخارجية على الصعيدين العربي والخارجي. وقد قالت جريدة فايننشيال تايمز “إن الملك فيصل كان قد أصبح واحدا من أبرز الشخصيات وربما أبرز شخصية على الإطلاق في العالم العربي وأضافت.. أن فيصلاً كان شخصية مهيمنة على مسرح الشخص الأوسط.. وكان يمد بالدعم دول المنطقة في مواجهتها على إسرائيل.. وليس هناك سبب للافتراض بأن هذا الأمر سوف يختلف الآن… وأشارت… أن مما يرتبط بموقف المملكة السياسي في الشرق الأوسط إمكانية استئناف الخطر البترولي يوماً ما كسلاح ضد العرب.. ولا يشك أحد ممن يعرف الملك فيصلا أنه كان سيصمد إلى فرض حصار بترولي كامل على الغرب لو تجددت ظروف حرب أكتوبر 1973م.
وتحدثت فايننشيال تايمز عن سياسة الفيصل الخارجية فقالت : إن أهدافها كانت على نوعين. فالملك كان مسلماً شديد التدين وقد سعى جاهدا إلى استعادة المناطق المحتلة ، ولا سيما القدس . وكانت تبرعاته هي التي مولت آلة الحرب العربية في حرب أكتوبر ، لكن الملك كان أيضاً معادياً للشيوعية بقوة لذا فإن واحدا من أهدافه في تقديم المساعدات الاقتصادية إلى البلدان العربية كان إبعاد هذه الدول عن الاشتراكية.
شخصية مهيمنة
وكتبت جريدة لورور الفرنسية تقول : مهما يكن من أمر فإن وفاة فيصل سوف تحدث ارتباكاً في الشرق الأوسط بسبب المكانة الهائلة التي كان الفقيد قد اكتسبها والتي كانت تجعل منه الرجل الأقوى تأثيراً ونفوذاً سواء في القاهرة أم في دمشق أو بيروت .. ناهيك عن إمارات الخليج وغيرها.
وقالت الصحيفة : إن نفوذ الملك فيصل الذي اختارته مجلة تايم الأمريكية رجل العام لسنة 1974 م لم يكن مستمداً من البترول بقدر ما كان ناشئاً عن شخصيته. فالفيصل كان إلى جانب الرئيس هواري بومدين رئيس الدولة العربي الوحيد اللذين أحيطا علماً من جانب الرئيس السادات والرئيس الأسد بعزم البلدين على شن الحرب وبيوم الصفر المحدد لها ، ومن المؤكد أن دول المنطقة قد افتقدت فيصلا لاسيما أن فشل مهمة كيسنجر السلمية توجب إجراء تحديد جديد للسياسة العربية.
وأشارت الصحيفة إلى أن دول المنطقة كانت تتطلع إلى الفيصل بصورة رئيسية في مجال البحث عن بديل لسياسة الخطوة خطوة التي انهارت بعد رحيل كيسنجر من المنطقة…
وانتهت الجريدة إلى القول .. إن العالم العربي في حالة حداد على فيصل ، ومما تجدر ملاحظته أن آخر زائر له كان زعيم الثورة الفلسطينية السيد ياسر عرفات الذي قابله عشية وفاته.
إن المجاهدين في العالم العربي كانوا يحجون بانتظام إلى الرياض وبقدر ما كانت فجيعة العرب عظيمة بوفاة عاهلهم الكبير كان شعور الفرحة غامراً في إسرائيل ، وتقول جريدة لوفيغارو: إن رجل الشارع في إسرائيل انتابه شعور بالفرح بسماع نبأ وفاة الزعيم العربي الكبير الذي قام بتمويل حرب الغفران والذي أقسم بأن يطرد اليهود من القدس وأرغم جميع بلدان العالم أن تأخذ بوجهة النظر العربية فيما يختص بنزاعهم مع العرب.
وقالت التايمز اللندنية : إن الملك فيصل كان يعتبر في إسرائيل واحداً من أقوى الخصوم إذا كان حافزه الرئيسي هو العمل على إعادة القدس إلى الحكم العربي.
لقد كان دعمه المالي لمصر واحدا من أهم العوامل في حرب أكتوبر 1973م وفي الحفاظ على الوحدة العربية منذ ذلك الحين ”
وقال الرئيس محمد أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية الراحل “لقد خسرت أخاً عزيزاً وصديقاً كان أكبرَ عون لي في كل المواقف ، وأعظمَ نصير في الكفاح من أجل خيرنا المشترك ونصرة الأمم العربية “.
وفي حديث لجريدة عكاظ ـ 21 صفر 1396هـ , 21 فبراير 1976م ـ ” أكد الرئيس السادات أن النصر العسكري الذي حققته الجيوش العربية في حرب أكتوبر كان يمكن أن يكون ناقصا بدون استخدام البترول كما أن استخدام البترول دون إثبات ذاتنا العسكرية كان يمكن أن يكون ناقصا. ولكننا تمكنا من أن نحقق الكسبين معاً ، وصدرنا التمزق والروح التشاؤمية والانهزامية التي كانت قد طغت على وجه الأمة العربية بشكل خطر إلى إسرائيل” .
فقدان العظيم ليس سهلا وفقدان الأمة العربية والإسلامية للفيصل ليس سهلا لأن الفيصل العظيم طيلة أيام حياته كان في الواجهة العالمية سياسياً محنكاً , صاحب رأي ثاقب, وصلابة في المواقف لا تتحرك..
من هذه الركائز القائمة أصلاً على الإيمان بالله والعمل في سبيله كانت سبباً مباشراً في تبوء هذه البلاد بقيادة الراحل العظيم مكانة قيادية في العالمين الإسلامي والعربي، وكان ذلك مشهوداً ولا زال حتى الآن.
وكتبت الأهرام : قد كان العاهل الذي فقدته الأمة العربية في جريمة نكراء أحد أركان المعركة ، وأحد الذين عَنُوا بأسبابها وعانوا منها لسنوات طويلة ، فقد كان طرفاً في كل مؤتمر عربي ودولي خاص بفلسطين منذ الثلاثينات ، وكانت المصلحة العربية العليا هي رائدة في كل التصرفات ، يُتَوِّجُها ذلك الموقف التاريخي الذي وقفه في حرب أكتوبر عندما قاد حملة استخدام البترول ضمن الأسلحة التي خاضت بها الدول العربية معركة استرداد الأراضي المحتلة من العدو الإسرائيلي ، واستخلاص الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني.
وكتب مصطفى أمين رئيس تحرير جريدة الأخبار مقالاً بعنوان الرجل الذي فقدناه نقتطف منه : (إن ما فعله فيصل للمملكة العربية السعودية .. كثير.. وكثير .. ولكن فيصل فعل أشياء أكثر لكل بلد إسلامي : ملايين دفعها في صمت لدول إسلامية فقيرة ، ملايين أنفقها لإنشاء مدارس وجامعات في مختلف بلاد آسيا وأفريقيا ، ملايين أنفقها في أمريكا لقضية العرب ، وفي الوقت نفسه كان يأبى أن تكتب كلمة واحدة عما يفعل. وأذكر أنه قد طلب من ” أخبار اليوم ” قبل أسابيع ألا تنشر مجموع المبالغ التي دفعها في عام واحد لمصر ولعدد من البلاد العربية والإسلامية ، وقال لنا : نحن لم نفعل شيئا ، هذا واجبنا.
وكتب الأستاذ علي أمين في زاويته اليومية فكرة بجريدة الأخبار .. موضوعاً عن مآثر الفيصل الراحل جاء فيه : (لقد فقد شعب المملكة العربية السعودية حارس خزانتها وكنوزها. الملك الذي وجد في خزانة مملكته منذ 11 سنة لمَّا تسلَّم السلطان 38 دولاراً فقط ، واضطر إلى أن يقترض ليدفع مرتبات الموظفين وأجور العمال ، واكتشف أن الدولة مدينة بمئات الملايين من الريالات اقترضها من بعض الأغنياء والتجار ، وسدد كل هذه الديون ، ولما مات الملك كانت بلاده واحدة من أغنى بلاد العالم.
وكتب الأستاذ جميل مروه في جريدة الحياة كلمة بعنوان رجل للتاريخ جاء فيها:
جابه التشريد العربي بسياسة النَّفَس الطويل ، حتى أصبح محور الوفاق بهدف التحرير والإنماء والاستقرار ، فيصل بن عبد العزيز – رحمه الله – كبير ، أراد مختاراً أن يكون بسيطاً ، لذلك لا يصفه سوى التاريخ .
وقال إحسان عبدالقدوس : (كان الراحل العظيم عنصراً عربياً أساسياً في التمهيد لمعركة 6 أكتوبر والمساهمة في هذه المعركة بكل ما تتطلبه العمليات العسكرية والأوضاع الاقتصادية. وكان أيضاً الركيزة العالمية الخطرة التي أطلقت حرب البترول.. وهو ما اعترف به الرئيس السادات عندما زارا معاً خط بارليف ).






