المقالات

حين تصبح مكافحة الفساد إلهاماً عربياً

حين أطلقت المملكة العربية السعودية منظومتها المتكاملة لمكافحة الفساد، لم تكن تضع قانوناً فحسب، بل كانت تكتب درساً للمنطقة العربية بأسرها. درسٌ مفاده أن الإرادة الحقيقية قادرة على تحويل مكافحة الفساد من شعار إلى واقع ملموس، ومن وعود إلى أرقام يمكن قياسها وتدقيقها.

في الدول الباحثة عن التنمية والاستقرار، لا تبدأ العدالة من قاعات المحاكم، بل من إغلاق منافذ الفساد. فحين تتسرب الموارد العامة إلى جيوب خاصة، لا تُسرق الأموال فقط، بل تُسرق معها فرص التعليم والصحة والعيش الكريم. ولهذا جعلت المملكة مكافحة الفساد ركيزةً جوهرية في رؤية 2030، إذ لا تقتصر جهودها على الإجراءات القانونية، بل تشمل برامج توعية شاملة وتعزيز الحوكمة الرشيدة وضمان محاسبة كل من يثبت تورطه.
والأرقام لا تكذب. ففي مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، سجلت السعودية 57 نقطة من 100، متقدمةً عربياً وفي مسار تصاعدي واضح يعكس عمق التحول المؤسسي. وفي عام 2025 وحده، أجرت هيئة نزاهة أكثر من 32 ألف جولة رقابية وباشرت 4800 تحقيق، فيما بلغ عدد الموقوفين بتهم الفساد 1708 أشخاص في عام 2024، وارتفع عدد القضايا المبلّغ عنها بأكثر من 7 أضعاف منذ عام 2016.
والأثر الرادع لا يقف عند الأرقام، بل يمتد إلى المبدأ. فقد أعلن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء أن الفساد في المملكة أصبح من الماضي ولن يتكرر بعد اليوم دون محاسبة، وجسّد هذا القول بإجراءات لا تُفرّق بين صغير وكبير. كما جاء نظام نزاهة الجديد الصادر في يوليو 2024 ليُلزم بالفصل الفوري لأي موظف حكومي تثبت إدانته بالفساد، مما يرفع سقف الردع ويُرسّخ ثقافة المساءلة.
ولعل أبرز ما يميز التجربة السعودية أنها لم تكتفِ بالبُعد الداخلي، بل حملت رسالتها إلى العالم. فقد أطلقت المملكة مبادرة تأسيس شبكة الرياض العالمية لسلطات إنفاذ القانون المعنية بمكافحة الفساد “GlobE Network”، التي اعتمدتها الأمم المتحدة وانضم إليها أكثر من 55 دولة و92 جهاز مكافحة فساد حول العالم. وهذا ما يرفع التجربة السعودية من مستوى الإنجاز الوطني إلى مستوى النموذج القابل للتصدير.
ومن يتأمل هذا المسار يدرك أن ما بنته المملكة ليس وليد حملة موسمية، بل منظومة متكاملة تبدأ من الشفافية في الإنفاق العام، وتمر بحماية المبلّغين، وتنتهي بقضاء يُطبّق على الجميع بلا استثناء. وقد بلغت متحصلات تسويات مكافحة الفساد 247 مليار ريال في ثلاث سنوات، تمثل 20% من إجمالي الإيرادات غير النفطية، دليلاً دامغاً على أن النزاهة ليست تكلفة بل استثمار.
العدالة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات. وحين تكون هذه المؤسسات مستقلة وممكَّنة ومدعومة بإرادة سياسية صادقة، لا يتوقف الأثر عند حدود الدولة، بل يتحول إلى إلهام تنهل منه الأمم الساعية إلى التغيير. وهذا تحديداً ما تفعله المملكة العربية السعودية اليوم.
على صعيد متصل، أعلن السودان عن توجهه لتفعيل أليات مكافحة الفساد بتسمية أحد أفضل رجال الشرطة رئيساً لهيئة النزاهة والشفافية، وهي بداية موفقة من حكومة الأمل نحو طريق وعر وغير ممهد.
إن الفارق بين التجربتين السودانية والسعودية لا يكمن فقط في القوانين، بل في الإرادة واستمرارية المؤسسات. فمكافحة الفساد ليست حملةً موسمية، بل منظومة متكاملة تبدأ من الشفافية في الإنفاق العام، وتمر بحماية المبلّغين، وتنتهي بقضاء مستقل قادر على المحاسبة. وهذه المنظومة تحديداً هي ما يحتاجه السودان لنقله من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التأثير الفعلي.
الدرس الأهم من التجربتين أن العدالة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات. وكلما كانت هذه المؤسسات أكثر استقلالاً وتمكيناً وشفافية، اقتربت الدولة من تحقيق حياة كريمة لمواطنيها. أما حين يُترك الفساد بلا رادع، فإنه لا يهدم الاقتصاد فحسب، بل يقوّض ثقة الناس في الدولة ذاتها، وهي أخطر خسارة يمكن أن تتكبّدها أي سلطة سيادية.
نأمل أن تُفصح هيئة النزاهة والشفافية في السودان برئاسة الفريق شرطة عابدين الطاهر عن خططها ونتائج جهودها عبر وسائل الإعلام، وأن تنشر قضاياها بأسماء مرتكبيها على غرار التجربة السعودية. فالشفافية وحدها هي الضمانة الحقيقية لاستعادة ثقة المواطن السوداني في مؤسسات دولته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى