الثقافية

مشروع قواعد السلوك المهني للمحامين

 

من خلال الإطلاع على سمات ومحاور مشروع قواعد السلوك المهني للمحامين والمقترح من قبل هيئة المحامين السعوديين ودعوتها لتقديم الإقتراحات بشأنه، يتضح بشكل جلي في سياق مقارن مع قواعد الممارسة المهنية للمحامين في الأنظمة المقارنة إستفادة هيئة المحامين من تجارب الأمم و خاصة النظام الإنجلوسكسوني وتأثيره في المعايير الدولية. هذه الإستفادة تستحق الإشادة في سياق أهمية أعتبار المفارقات الجوهرية بين طبيعة ومصادر تلك الأنظمة المقارنة والنظام العام السائد في المملكة العربية السعودية لأنها ومن خلال الموائمة بين تلك المفارقات سوف تتحقق بمشيئة الله تعالى قفزة نوعية في ممارسة مهنة المحاماة في المملكة. و المدخل الأساسي للتعليق والاقتراح هنا يبدأ من أهمية ملاحظة النزعة التنظيمية المسبقة لنظام المحاماة الصادر عام ١٤٢٢هـ ولائحته وخضوعهما التام لأحكام الشريعة الإسلامية من جهة وتأثرهما الإجرائي بالنظام اللاتيني السائد في أغلب الدول العربية من جهة أخرى، حيث تبنت نموذجه المنظمات الأقليمية كمجلس التعاون الخليجي قبل إصداره كنظام او قانون وطني في الدول الأعضاء. وبالتالي فإن ذلك يضعنا أمام مفارقات في سياق مقارن تتعلق بالخلفية التاريخية لنظام المحاماة السعودي والسياسة التشريعية التي ارتكز عليها في مواجهة النظام الأنجلوسكسوني وفلسفته التشريعية التي قد تأثر أو أستفاد منها مشروع قواعد السلوك المهني المقترح. المتوقع اليوم من الزملاء العاكفين على تقديم الإقتراحات والتوصيات لهيئة المحامين حيال مشروع قواعد السلوك المهني هو مراعاة إختلاف طبيعة إلتقاء تلك المصادر المتنوعة من الأنظمة المقارنة والمفارقات والآثار التشريعية والفقهية والقضائية المترتبة عليها. ومن المعلوم أن لكل نظام مقارن خصائصه الخاصة به والتي تأثرت بها ممارسة مهنة المحاماة في ذلك النظام المقارن، لذلك نهيب بالمهتمين بدراسة المشروع وبهيئة المحامين ان يكون التطوير نحو تنظيم المهنة وتحقيق المزايا لمنسوبيها والمتعاملين معهم بشكل يساهم بحق في التدرج المهني وأحتياجات و دعم المهنة ومنسوبيها والتطوير بعيداً عن فلسفة الأنظمة المقارنة في فرض قيود مرتبطة بمقاصد تشريعية وبمصادر مختلفة عن ما يعتنقه المنظم السعودي وما يرتبط بذلك من معطيات تاريخية و إقتصادية و ثقافية و إجتماعية و سكانية. فبون الإختلاف شاسع بين تلك الأنظمة المقارنة فما قد يجيزه نظام قانوني مقارن قد يمنعه نظام آخر. على سبيل المثال يجيز النظام الأنجلوسكسوني في بعض الدول التي تتبعه للمحامي ان يستخدم وسائل الدعاية والإعلان للدعاية عن خدمات مكتبه في وسائل الإعلام في حين يحظره النظام اللاتيني السائد في اغلب الدول العربية، و بالتالي فإن السعي للإستفادة من الأنظمة المقارنة لابد ان يستمر في هذه المرحلة بذات المنهجية التنظيمية التي تبنها المنظم السعودي أبتداءً في نظام المحاماة وفي ذات سياق المقاصد والأهداف التي يسعى لتحقيقها. و لابد ان نتوقف طويلاً عند الحاجة إلى فرض القيود أو الإشتراطات الجديدة التي قد يأخذ بها النظام المقارن عامة والنظام الأنجلوسكسوني خاصة وألا نعتنق فرضها لمجرد أستحسانها طالما ان المنظم السعودي لم يعتنقها أبتداءً في سياق أحكام الشريعة الإسلامية من جهة والنظام اللاتيني المتأثر به من جهة اخرى وأن إضافة قيود أخرى لابد ان تحاط بقواعد التدرج التشريعي وأهمية المصالح المنوطة بها. إضافة إلى أن مهنة المحاماة لاتزال مهنة حديثة تعاني بحق من الندرة الحقيقية أمام الحاجة الحقيقية لها في أرجاء الوطن ولا بد للتنبه لتلك القيود والإشتراطات الإضافية التي من شأنها ان تثقل كاهل المحامين بشكل عام و المحامين الشباب بشكل خاص وبالتالي فإن مثل هذه القيود قد تصب تلقائيا في قائمة الجوانب السلبية في تنظيم المهنة ومكاتب المحاماة. بهذا المنطلق و بهذا التصور يمكن للقارىء الحصيف الإستقراء والمقارنة والتقييم وتقديم الإقتراحات و التوصيات حيال تطوير تلك القواعد وسن من القيود والإشتراطات ما ينسجم مع تلك الطبيعة المقارنة وتقدير ما فيه حاجة هامة ومصلحة حقيقية ومعتبرة ومنسجمة مع المرحلة التنظيمية والبناء الحقيقي للتطوير . ونأمل في هذا السياق ان تعمل الهيئة على مد جسر التعاون مع المؤسسات التعليمية المعنية بتدريس الشريعة والأنظمة في المملكة لرسم معالم ذلك التطوير وحتى لايقع خريجون وخريجات تلك المؤسسات في فجوة بين واقع مخرجات نواتج جودة التعلم من جهة وتطلعات الهيئة الطموحة من جهة أخرى وان تتضمن قواعد السلوك المهني رسم ملامح تلك الآليات او تعمل عليها في مصادر أخرى.
ماجد الفيصل
محاضر النظام الجنائي
كلية الحقوق جامعة الملك عبدالعزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى