المقدمة
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتغلب فيه النزعة الفردانية على البناء القيمي، يبرز سؤال جوهري: بِمَ تُقاس قيمة الإنسان؟
هل تُقاس بما يملك من موارد، أم بما يقدّمه من نفع؟
يقدّم الإسلام تصورًا متكاملًا يعيد تعريف الإنسان بوصفه فاعلًا أخلاقيًا، لا مجرد كيانٍ مستهلك. وفي هذا السياق تُنسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه الكلمة:
«من كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه»
وهي – وإن لم تثبت بسندٍ صحيح – تعبّر عن أصلٍ قرآني راسخ: أن النعمة في الإسلام تكليفٌ ومسؤولية، لا امتيازًا منفصلًا عن المجتمع.
أولًا: فلسفة النعمة – من الامتلاك إلى الأمانة
يؤسس القرآن لعلاقة مركبة بين الإنسان والنعمة، قائمة على المساءلة:
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾¹
فالنعمة ليست حالة استهلاك، بل ميدان اختبار. ومن هنا تتجاوز دلالة النعمة بعدها الفردي إلى بعدها الاجتماعي؛ إذ يصبح الإنسان مؤتمنًا على ما في يده، مطالبًا بتوجيهه لخدمة غيره.
ويؤكد علماء المقاصد – وعلى رأسهم أبو إسحاق الشاطبي – أن الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد، وأن التكليفات الشرعية تدور حول جلب المصالح ودفع المفاسد²، وهو ما يضع “توجيه النعمة” في قلب المشروع الأخلاقي الإسلامي.
ثانيًا: قضاء الحوائج بوصفه عبادة
يربط الحديث النبوي بين معونة الله ومعونة العبد لغيره:
**«والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»**³
هذا الحديث يؤسس لما يمكن تسميته بـاللاهوت الاجتماعي في الإسلام، حيث لا تنفصل العلاقة بالله عن العلاقة بالناس. فخدمة الآخرين ليست نشاطًا إنسانيًا مجردًا، بل عبادة ذات بُعد تعبدي.
ويعزز هذا المعنى حديث:
**«أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس»**⁴
مما يدل على أن معيار القرب من الله لا يُقاس فقط بالعبادات الشعائرية، بل أيضًا بمدى النفع المتعدي للآخرين.
ثالثًا: الكرامة الإنسانية – مقاربة وظيفية
يقرر القرآن مبدأ الكرامة:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾⁵
غير أن هذه الكرامة لا تُفهم بوصفها حالة ساكنة، بل باعتبارها قابلية للفعل الأخلاقي. فالإنسان المكرَّم هو القادر على أن يكون مصدرًا للنفع، وأن يتحمل مسؤولية غيره.
وهنا يلتقي التصور القرآني مع ما قرره أبو حامد الغزالي من أن كمال الإنسان يتحقق بـتحقيق معاني الإحسان والرحمة⁶، لا بمجرد تحصيل المنافع الذاتية.
رابعًا: البعد المقاصدي – حفظ النفس عبر التكافل
يُعدّ حفظ النفس أحد المقاصد الكلية للشريعة. غير أن هذا الحفظ لا يقتصر على البقاء البيولوجي، بل يشمل الأبعاد:
* النفسية،
* والاجتماعية،
* والكرامية.
ومن هنا، فإن قضاء حوائج الناس يُسهم في تحقيق هذا المقصد من خلال:
* تخفيف المعاناة،
* ومنع الانكسار النفسي،
* وتعزيز الشعور بالأمان الاجتماعي.
ويشير ابن عاشور إلى أن مقاصد الشريعة تتجه إلى إقامة نظام اجتماعي متماسك قائم على التعاون⁷، وهو ما يتجلى بوضوح في هذا الباب.
خامسًا: من الفردانية إلى التضامن
يقدّم الإسلام نموذجًا بديلًا عن الفردانية الحديثة، يقوم على الأخوّة الإنسانية. فالآخر ليس منافسًا، بل شريك في الإنسانية.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾⁸
فالتكافل ليس خيارًا أخلاقيًا ثانويًا، بل أمر إلهي يؤسس لبنية المجتمع.
سادسًا: البعد الروحي – العطاء كتحرير للنفس
العطاء في الإسلام ليس مجرد فعل خارجي، بل عملية تزكية داخلية. فهو:
* يحرر الإنسان من الأنانية،
* ويعيد توجيه قلبه نحو المعنى،
* ويمنحه سكينة داخلية.
ومن هنا، فإن قضاء الحوائج ليس إنقاصًا من رصيد الإنسان، بل زيادة في كماله الروحي.
سابعًا: تطبيقات معاصرة
في السياق الأوروبي المعاصر، تمثل هذه القيم أساسًا مهمًا لـ:
* تعزيز التماسك المجتمعي،
* بناء جسور الثقة،
* تقديم نموذج عملي للإسلام بوصفه دين رحمة.
إن تحويل هذه المبادئ إلى مؤسسات ومبادرات – كما في العمل الخيري والمجتمعي – هو الترجمة الواقعية للنصوص.
الخاتمة
يتبين من خلال هذا العرض أن الإسلام يعيد تعريف الإنسان من خلال العطاء والمسؤولية.
فالنعمة ليست ملكية خاصة، بل أمانة؛
وقضاء الحوائج ليس تفضّلًا، بل واجب؛
والنفع المتعدي هو معيار التفاضل الحقيقي.
وهكذا، فإن الإنسان الذي يجعل من نفسه بابًا للخير،
يجعل الله له بابًا من العون،
ويكون أقرب إلى تحقيق كرامته،
وأدنى إلى الأمان يوم القيامة.
—————–
الهوامش (Chicago Style)
1. القرآن الكريم، سورة التكاثر، الآية 8.
2. الموافقات، أبو إسحاق الشاطبي، تحقيق مشهور حسن، (القاهرة: دار ابن عفان)، ج2.
3. صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن.
4. رواه الطبراني في المعجم الأوسط، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة.
5. القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية 70.
6. إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، (بيروت: دار المعرفة).
7. مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن عاشور، (تونس: الدار التونسية للنشر).
8. القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 2..






