لقاءات رمضانية

السفير نوفل : هذا ما حدث مع حجاج نيجيريا

(مكة) – حوار عبدالرحمن الأحمدي

تواصل صحيفة مكة الإلكترونية لقاءاتها الرمضانية ، والإلتقاء بعدد من الشخصيات المجتمعية الفاعلة لنستعيد معهم ذكريات الماضي وبداياتهم العملية في تلك الحقبة الزمنية الهامة .
ضيفنا اليوم السفير عادل محمد نوفل ، نتعرف معه على بعض الجوانب من حياته العملية.- في البدء نتعرف على ابن مكة المكرمة.
– اسمي عادل بن محمد سعيد بن عبدالرحمن نوفل..من مواليد مكة المكرمة عام ١٣٧٧هجرية..ومتزوج ولي من الأبناء ثلاث بنات وولد واحد.وعملت في في وزارة الخارجية لمدة ٣٨ سنة وتقاعدت عام ١٤٣٧هـ على مرتبة سفير بعد تخرجي من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة.

2-في أي حارة كانت نشأتكم ؟
ولدت ونشأت في حارة المسفلة بالقرب من بئر المالح والخرزة.

 

– أين تلقيتم تعليمكم؟
بفضل الله تلقيت التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي في مكة المكرمة على التوالي في الناصرية الابتدائية، وبلال بن رباح المتوسطة، والمدرسة العزيزية الثانوية. أما البكالوريوس فقد حصلت عليه من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة قسم المكتبات والمعلومات عام ١٤٠٠هـ
والماجستير بجامعة جنوب كالفورنيا عام ١٩٨٥، والدكتوراه من جامعة بتسبيرج في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة.

 

– ماذا بقي في الذاكرة من أحداث عشتم معها عراقة الحارة ؟
عشت طفولتي في حارة المسفلة بمكة وهناك الكثير من الذكريات تربطني بهذه الحارة العريقة، وساحاول اختصار تلك الذكريات.وأبدأ بذكر البساطة والعلاقات القوية التي كانت تربط الجيران بعضهم ببعض،فقد كانت هي السائدة في الحارة. كما أن معظم أصحاب المحلات التجارية التي كنا نرتادها كانوا يعرفون أباءنا وأخواننا وبيوتنا فكانوا يعاملوننا كأبنائهم. ومن الذكريات الجميلة أيضا التي انقرضت مناسبات آخر أربعاء في صفر والرجبية والشعبنة والركب والمزمار.

 

– في مرحلة الطفولة العديد من التطلعات المستقبلية.. ماذا كنتم تأملون حينها؟
كانت تطلعاتنا المستقبلية بسيطة جداً لا تعدو أن تكون الحصول على دراجة أو سيارة صغيرة أو رحلة إلى أحد الدول المحيطة بنا. وحينما كتب الله لي بسفرة إلى لندن مع طلاب الجامعة أذكر بأني كنت أحلم بها لعدة اسابيع..!!

 

– تربية الأبناء في السابق بنيت على قواعد صلبة ومتينة..ماهي الأصول المتعارف عليها في ذلك الوقت؟
من الأصول المتعارف عليها في التربية كانت أن الجميع لهم الحق في تقويم الخطأ، فالأخوان والأعمام والخيلان والجيران كان من حقهم التدخل ومنع الشباب من ارتكاب الأخطاء.

 

– في تشكيل صفاتكم ساهمت الكثير من العادات والتقاليد المكية في تكوينها ما أبرزها؟
احترام الكبير حتى وإن كان عاملاً وافداً.! غض النظر عن النساء خاصة الأ قارب والجيران.

 

– الأمثال الشعبية القديمة لها أثر بالغ في النفس..ماهي الأمثال التي لازالت باقية في الذهن؟ ولماذا؟
يا غريب كن أديب. لانني كثير السفر وعشت لسنوات في عدة دول غربية، وكان لهذا المثل دور كبير في عدم تعرضي لأي مشكلة في جميع الدول التي عشت فيها أو زرتها.

 

– الحياة الوظيفية..أين كان لشخصكم القدير أول بداياتها وآخرها؟
أول وظيفة عملت فيها كانت ملحق سياسي في وزارة الخارجية وكنت غير راضي على هذه الوظيفة فقد التحقت بالمعهد الدبلوماسي في جدة بهدف أن أكون معيداً فيه وأكمل دراسة الماجستير والدكتوراة وقد ضغطت أنا وبعض الزملاء على مدير المعهد بسرعة تعديل الوظيفة والإسراع في ابتعاثنا. وبعد العودة من الولايات المتحدة الأمريكية عملت لفترة قصيرة في المعهد ولكن وزارة الخارجية ارتأت أن أعمل لديها في إدارة الوثائق. وبعد مرور سبعة عشر عاماً في هذه الإدارة وبالتحديد عام ١٤٢٦هـ تم نقلي إلى الوزارة على وظيفة دبلوماسية مرة اخرى ولكن هذه المرة كان الوضع مختلفاً فقد فرحت بالتعيين على وظيفة وزير مفوض بالمرتبة الرابعة عشر وبعد عام من هذا التعيين نقلت إلى سفارة المملكة في برلين بالمانيا الاتحادية كرجل ثاني في السفارة. وانتقالي إلى السفارة في برلين له قصة ظريفة مع معالي السفير الدكتور أسامة شبكشي.. فقد طلبني للعمل نائباً له وكنت أحاول التهرب منه لما بلغني من صعوبة العمل معه ولكن بعد اتصاله للمرة الثانية خجلت من طلبه ووافقت وقضيت معه خمس سنوات جميلة، وفي عام ١٤٣٣هـ انتقلت إلى سفارة المملكة في روما بإيطاليا، وكانت أيضاً أياما جميلة قضيتها في هذه الدولة ومازالت علاقاتي مع بعض الايطاليين مستمرة حتى الآن. وبعد عودتي من ايطاليا بعام ونصف تقاعدت وانا على مرتبة سفير بحمد الله.

 

– شهر رمضان و شهر الحج من المواسم الدينية والاجتماعية المميزة حدثنا عنها.
نعم كانت أيام رمضان ولياليها، فقد كنا نذهب الى المدرسة ونحن صائمون دون أية معاناة بل كنا بعد المدرسة نعمل إما في بسطة أو في الحرم نطوف المعتمرين. وفي الليل كنا نؤدي صلاة العشاء والتراويح في الحرم ثم نجتمع مع أصدقاء الحارة ونلعب في كل ليلة لعبة مختلفة أو نكمل ما لعبناه في اليوم السابق. ومن الذكريات التي لا تنسى أيام الحج، فقد كنا نهيئ أنفسنا من قبل الحج إلى عمل نكسب منه مالاً ينفعنا للأشهر التالية أو نشتري به دراجة وألعاب نلهو بها طوال العام. ومن الأعمال التي كنا نمارسها في الحج إما بسطة لبيع احتياجات الحجاج من الشاي والقهوة والسندوتشات الخفيفة أو نعمل لدى أحد المطوفين أو تقديم خدمات للحجاج كمرافقتهم لزيارة الاماكن الدينية والتاريخية أو الطواف والسعي أو ايةأعمال يحتاجها الحاج.

 

.

.

– تغيرت أدوار العمد في الوقت الحاضر وأصبحت محددة..كيف كان سابقا دور العمدة في الحي ؟
العمدة في السابق كان معروف لدى الصغير والكبير،أما الآن فللأسف غير معروف لدى الجميع ولولا أن العمد مذكورين في الانترنت لما تمكن المرء من معرفة أسمائهم ! ويبدو أن دورهم تقلص وهيبتهم ضعفت عن الماضي..!

 

– القامات الاجتماعية من تتذكرون منها والتي كان لها الحضور الملفت في الحارة ؟
من القامات الاجتماعية المعروفة في حارة المسفلة كان معالي الدكتور محمد عبده يماني- يرحمه الله تعالى- والسيد أمين عطاس والدكتور حامد هرساني والتربوي الأستاذ عبدالحميد خياط والإعلامي حسين نجار وعمدة المسفلة المرحوم سراج أبورزيزة وحمزة غلام ومؤذن الحرم المرحوم الشيخ إدريس كنو.

 

– هل تتذكرون موقف شخصي مؤثر حصل لكم ولا تنسوه؟
هناك مواقف كثيرة وعديدة لا أنساها حصلت لي خلال الثمانية عشر عاماً التي قضيتها في المسفلة قبل انتقالي إلى جدة للدراسة الجامعية.

– المدرسة والمعلم والطالب ثلاثي مرتبط بالعديد من المواقف المختلفة..هل تعرفونا علي بعض منها؟
المدرسة الناصرية والتي درست فيها المرحلة الابتدائية كان بها العديد من المدرسين والمدراء رحمهم الله وكانت لي معهم مواقف كثيرة وأجمل موقف كان مدرس يلقب بالسيد المشاط وكان يحمل معه حلوى وكان يعطيها لطلبته فرغم أنه دراستي في أولى ابتدائي قبل ٥٥ عاماً إلا أني أذكره لأنه كان يعطيني حلوى كل يوم.. والأستاذ عبدالله الزهراني رحمه الله كان يدرسني لعدة سنوات ابتداء من السنة الثانية إلى الخامسة وكان مدرساً خلوقاً وطيباً يعاملني بكل حب واحترام وكنت إذا رأيته يمر من شارعنا استوقفه لأتحدث معه ولا أتركه إلا إذا ضيفته بقارورة بيبسي أو ميرندا وكان يقبل ضيافتي رغم أنه مدرس وانا طالب! إلا أنه يصر على أنه هو الذي يدفع سعر المشروب.. ومدير المدرسة الأستاذ أحمد خياط لن أنسى موقفي معاه حينما طردني من المدرسة لأحضر ولي أمري ولكن كنت أخشى ان أطلب من والدي فطلبت من جارتنا التوسط وذهبت معي للمدرسة للتشفع لي وقبل شفاعتها.!

 

– كثرت وسائل الإعلام في الوقت الحاضر وأصبحت مرافقة مع الناس في كل مكان.. ماهي الوسائل المتوفرة لديكم في السابق؟ وما أثرها على أفراد المجتمع آنذاك ؟
كان الراديو والصحف من أهم وسائل الإعلام في الماضي فالراديو كان يذيع أسماء الناجحين في مرحلة الشهادة أو السنة الاخيرة لكل مرحلة.. كذلك كانت الصحف تنشر أسماء الناجحين وكان الطلاب وأسرهم يهتمون بالاستماع للراديو وقراءة الصحف.

 

– تظل للأ فراح وقفات جميلة لاتنسى في الحي.. ماذا تتذكرون من تلك اللحظات السعيدة ؟ وكيف كانت

الأفراح كانت تقام في الأحياء وكانت تنصب الصواويين بواسطة أهالي الحي ويشارك الجميع في اإجاح الحفل. كما أني لا أنسى ان حفل زفافي أقيم في مدرسة الحارة الناصرية الابتدائية وحضرها الكثير من النساء وأحيت الحفل إحدى المطربات الشعبيات في تلك الأيام.

 

– الأحزان في الحياة سنة ماضية..كيف كان لأهل الحي التخفيف من وقعها ؟
هذه من العادات التي مازالت مستمرة بنفس الطريقة القديمة وهي مشاركة جميع الجيران والأقارب في الدفن والعزاء وتوفير الأكل لأهل الميت ومن معهم في البيت.

– الأحداث التأريخية الشهيرة في حياتكم والتي عايشتها..هل تتذكروها..وما الأبرز من تفاصيلها؟
من الأحداث التأريخية المشهورة التي أذكرها حادثة جهيمان،وإيقاف الصلاة في الحرم لعدة ايام..فقد كنت قادماً من جدة حيث كانت أدرس في آخر سنة في الجامعة وأثناء مروري من عند منطقة الحفاير سمعت أصوات طلقات نارية وكان أمراً غريباً فأول مرة سمعت ذلك الصوت وأول مرة يقفل الحرم وتتوقف الصلاة فيه.

– ماهي الألعاب الشعبية التي اشتهرت بها حارة …؟
على أيامنا كانت العديد من الألعاب التي اندثرت ومنها الناقورشة والحرامي والعسة.

 

– لو كان الفقر رجلا لقتلته مقولة عظيمة لسيدنا علي رضي الله عنه..هل ترون بعضا من قصص الفقر المؤلمة ؟
رغم أن الناس كانت امكانياتهم بسيطة مقارنة بهذه الأ يام وكانوا أقرب إلى الفقراء إلا أنهم كانوا مستورين والحياة تسير دون ألم ودون الحاجة إلى مد اليد وطلب المعونة أو الشحاتة.

 

– ماذا تودون قوله لسكان الحارة القديمة؟
رحم الله من مات منهم واشتقت إلى من بقي منهم.

 

– رسالة لأهالي الأحياء الجديدة..وماذا يعجبكم الآن فيهم؟
هنيئاً لكم فالأحياء الجديدة أكثر تنظيماً وترتيباً وتتوفر فيها معظم احتياجاتكم فاستغلوا الفرصة واستمتعوا بها.

 

– كيف تقضون أوقات فراغكم في الوقت الحالي؟
للأسف رغم أني تقاعدت منذ أكثر من سنة إلا أني لا أجد وقتاً للفراغ فكنت أتمنى أن تكون ساعات اليوم أطول مما هي عليه الآن.!

– لوعادت بكم الأيام ماذا تتمنون ؟
لكنت أتمنى أن استغل أوقات فراغي وأدرس وأقرأ في كل لحظة فراغ.

 

– بصراحة..ما الذي يبكيكم في الوقت الحاضر ؟
يبكيني الحنين للماضي والشخصيات التي غابت عن الوجود والأماكن التي أزيلت.

 

– ماذا تحملون من طرف جميلة في دواخلكم؟
نعم حينما كنت في سن الخامسة عشر كنت استغل وقت الفراغ وبالأخص في شهري رمضان والحج وأعمل في الطوافة بالحرم وفي إحدى المرات كنت أطوف حجاج من نيجيريا وأثناء بلوغ المروة والحجاج يرددون خلفي إن الصفا والمروة من شعائر الله.. شاهدت صديقاً لي في طرف المروة فأشرت له وحييته فإذا بجميع الحجاج يؤشرون عليه ويحيونه مثلي فضحك صديقي وتحدث إليّ ولكني توقفت عن الكلام معه خوفاً من أن يرددوا كل كلمة أقولها له.

وأيضا موقف طريف آخر حصل لي في القاهرة وأنا أتسوق مع أخي في شارع فؤاد فإذا بأحد الأشخاص يوقفنا ويتحدث إلينا بلهجتنا المكية مدعياً بأن المصريين سرقوا محفظته وفيها كل أمواله وليس معه أية مبلغ ليذهب إلى الإسكندرية حيث تقيم أسرته. ونظراً لأنه يتقن اللهجة المكية جيدا ومعرفته بحارتنا والأماكن في مكة صدقناه وأعطيناه بعض المال لكي يصل إلى الإسكندرية..وحينما وصلنا إلى المنزل ابلغنا اخونا الأكبر بأنه قابل شخصاً من مكة وقد سرقوا محفظته وقد ساعده ببعض المال.. غضبت من ذلك النصاب وقررت الانتقام منه واسترجاع المال الذي اعطيناه وبحثت عنه ولكن لم أجده إلا قبل مغادرتي القاهرة بيوم واحد وبالصدفة حيث شاهدته وهو يتحدث إلى أحد السعوديين مستخدماً نفس القصة والسيناريو واضطررت أن استخدم نفس الأسلوب معه وأبلغته بأن محفظتي سرقت مني ولا أملك مالاً وطلبت مساعدته في بعض المال وسارجعها له حينما ألقاه في مكة. وحاول التهرب مني ولكن كنت ملازماً له كاللصقة وأخيراً سألني كم المبلغ الذي أخذته منك فأبلغته بأني أعطيته مبلغ كذا..وكان مجموع ما دفعه أخي الكبير وأخي الذي كان معي. فاعطاني المبلغ وأنا منتشي من الفرح .

 

– لمن تقولون لن ننساكم؟
لوالدينا وأخواننا وأخواتنا وجيراننا الذين ماتوا.

 

– ولمن تقولون ماكان العشم منكم ؟
للذين كانوا معنا في الحي ونسونا ولا يذكرون الأيام الجميلةالتي كنا نقضيها معاً على البساطة.!

 

– التسامح والعفو من الصفات الإنسانية الراقية.. تقولون لمن سامحونا..وتقل لمن سامحناكم؟
اقول سامحونا ياأمهاتنا وآباءنا وكبار السن في الحارة على تقصيرنا معكم. وأقول سامحناكم يا من قصرتم معنا.

 

– كلمة أخيرة في ختام لقاء ابن مكة الماتع.
شكراً جزيلاً على إتاحة هذه الفرصة لإسترجاع ماضي الحارة والتأريخ الجميل واسأل الله أن يديم المحبة بين الاهل والجيران..أخوكم..السفير الدكتور عادل بن محمد سعيد بن عبدالرحمن نوفل.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لقاء جميل ورائع دائما الحنين للماضي هو القاسم المشترك عند كل الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى