المقالات

الاعتماد الأكاديمي المؤسسي: بين وهم الجودة وواقع ضعف المخرجات

تكمن إشكالية الاعتماد الأكاديمي في التعليم العالي صراعاً فلسفياً مستمراً بين الرغبة في تأطير الجودة وضبط معاييرها، وبين خطر السقوط في مطبات البيروقراطية التعليمية التي قد تفرغ العملية من محتواها؛ حيث يبرز النقد الحقيقي لمرحلة ما بعد الحصول على الاعتمادات الأكاديمية الكاملة في الجامعات السعودية من خلال كشف الهوة الفاصلة بين جودة “العمليات التنظيمية” وبين جودة “الخريج” كمنتج نهائي ومخرج جوهري. ففي كثير من الأحيان، تتحول الجودة إلى غاية إجرائية غارقة في “هوس التوثيق”، حيث يُستنزف عضو هيئة التدريس في صياغة التقارير وتعبئة النماذج الورقية المعقدة لضمان رضا لجان التقييم واستيفاء مؤشرات الأداء، مما يؤدي إلى استهلاك طاقته الذهنية وصرفها عن الإبداع  في التدريس أو تحديث المحتوى للمادة العلمية  بما يواكب التسارع المعرفي في العصر الحالي ، ليخلق هذا التركيز الشكلي نوعاً من “الامتثال البيروقراطي” الذي يتطلب اكتمال الملفات على حساب حيوية القاعة الدراسية، ويحول الاعتماد إلى عملية تجميلية  براقة للمؤسسة لا تضمن كفاءة الخريج في الميدان أو قدرته على مواجهة تحديات سوق العمل.
حيث إن المبالغة الزائدة   في الرصد الرقمي و ملاحقة مؤشرات الأداء الرقمية  قد تدفع  بعض الأقسام الأكاديمية نحو مؤشرات خطيرة  مثل “تضخم الدرجات” لتحسين إحصائيات النجاح في تقارير الجودة السنوية، وهو ما يمنح الخريج معدلاً مرتفعاً على الورق يقابله فقر حاد في المهارات الأساسية مثل  التفكير النقدي ومهارات الإلقاء وغيرها ، مما يجعل  الفجوة واسعة بين مخرجات الجامعات ومتطلبات التوظيف .
وعند مقارنة هذا الواقع بالفلسفات التعليمية العريقة، نجد أن الجامعات الأمريكية (عبر اعتمادات متخصصة مثل ABET للهندسة أو AACSB للأعمال) قد تجاوزت التدقيق الورقي نحو نظام مبني بصرامة على “تقييم المخرجات ” (Outcome-based Education)؛ وهو نظام يُجبر الجامعة على تقديم أدلة مادية تثبت ما يستطيع الطالب فعله فعلياً عند التخرج من خلال آليات قياس مباشرة ومستمرة، مما يجعل للأثر وضوح في سرعة توظيف الخريجين.
وفي ذات السياق، ترتبط التجربة البريطانية بجودة “الأطر الوطنية” ومعايير وكالة (QAA) ، إلا أن قوتها الحقيقية تكمن في نظام “الممتحن الخارجي” الذي يضمن توازي المعايير الأكاديمية بين الجامعات المختلفة، مما يخلق شبكة جودة عابرة للمؤسسات تضمن عمق المحتوى العلمي وتجرد التقييم.
أما التجربة الفرنسية، فتتجلى فيها مركزية الدولة عبر وكالة  (HCERES)  والتكامل الوظيفي  في “المدارس الكبرى” بين الاعتماد واحتياجات الدولة السيادية والمؤسسات الكبرى، مما يجعل الاعتماد شهادة ضمان للكفاءة الفنية والقيادية التي تؤهل الخريج لمناصب عليا بشكل مباشر. وبالمقارنة، يظهر النقد الموجه للتجربة المحلية في أن الاعتماد قد يُستهلك أحياناً كمنتج تسويقي أو “وجاهة” مؤسسية، بينما تظل المخرجات تعاني من نقص في المهارات الناعمة والقدرة على التكيف مع تقلبات الاقتصاد المعرفي.
إن الجامعات العالمية المرموقة جعلت من الاعتماد وسيلة لتعزيز استقلاليتها وتميزها التنافسي، حيث يتنافسون لتجاوز المعايير بخلق “بصمة” خاصة لخريجيهم، بينما قد يغرق النموذج الشكلي في نمذجة التعليم وتحويله إلى قوالب جامدة تقتل روح الابتكار لدى الأستاذ والطالب على حد سواء.  لذا، فإن المخرجات التعليمية لن تتحسن فعلياً إلا إذا تحولت الجودة من ثقافة “الاستعداد للزيارة” إلى ممارسة يومية مستدامة، تنتقل بالتركيز من أهمية الأوراق إلى أهمية  المهارات، ومن مجرد نيل الشهادات المؤسسية إلى صناعة كفاءات بشرية قادرة على المنافسة في  ظل اقتصاد عالمي لا يعترف إلا بالقدرات الحقيقية وبقوة “المهارات المكتسبة للخريج”  حيث لا يُقاس النجاح بعدد المجلدات المقدمة للمقيمين، بل بقدرة البحث العلمي المعتمد على التحول إلى براءات اختراع ، وبقدرة الخريج على أن يكون فاعلاً حقيقياً في تحقيق رؤية الوطن وطموحاته التنموية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى