إيوان مكةالثقافية

ربيعة تقدم لا مساس “قراءة في نص الشاعرة صفية الحربي”

لا مساس على قلب الشاعرة المُرهف حين تُحاول شاعرة خوض غمار القصيدة معها..
لا سلطة للنص، ولا موت للكاتب إذا فرشت البساط تحت قدمي القارئ؛ ليتقدم نحو المعنى بوعي وإدراك؛ فالنقد غُربال الموهبة لا حرب فيه ولا طائفية ولا تجريح بل هو اكتمال للدورة الإبداعية عند الكاتب والناقد والقارئ.

(فاق الوله مثل ما دمعي من البُعد فاق
دايم دموعي تحدّر.. فوق راحة يِدِي !)
بداية القصيدة نبوءة لآخرها، وغالبًا البدايات العُظمى نهاياتها عظمى
افتتاح النص بفاق: من الاستفاقة
فاق: من العلو والسيادة
والوله جنون يحدث له استفاقة كما الدمع يستفيق، وينحدر من البُعد.
صورة أنثوية ساحرة ومشهد حسي حركي رقيق، وتجسيد فني رائع وطاقة دلالية جاذبة، جعلتنا نُشارك الشاعرة أفكارها وانفعالاتها.

(أبكي فراق الأماكن والأمور الدقاق !
وأنبت عطا لو ظروفي قاعها جرهدِي)
الأماكن مفهومة المجموع في أصله ليست مجرد مواقع في الذاكرة بل هي شخوص وظروف وأشياء تجتمع هناك؛ فنُبكيها
والبكاء غيث ينبت في أثره حبًا.
القاع: هي الأرض التي تُحيط بها الجبال، وتنحدر نحوها المياه فتمسكها، وتنبت العشب.
الجرهدي لا نبت فيه ولا مرعى
جمع المتضادات والمقابلة هنا أثرت العمل، وأحدثت ديناميكية داخل النص؛ فالمتعة الجمالية من خلال المفارقات منحت النص تضافرًا أسلوبيًا جعلته متماسكًا لا ينفرط؛ فرغم القاع الجرهدي إلا أن العطاء منهمر.

(وإن شاف قلبي نوايا بينهم ما تطاق !
ما خالط السوء نياتي ولا مقصدِي !

نياتي البيْض تِبغِض عاشقين النفاق
وعيوني السود دااايم سابقة موعدِي !)
مازالت الشاعرة تُوزع المقابلة داخل النص؛ فتحرك المعنى حولها، وهذا له دور في تصوير التجربة والتعبير عنها وليست مجرد فكرة، وما أجمل أن تبقى النوايا بيضاء؛ لأن النوايا لا تسكن العقل ولا القلب بل تسكن الروح لهذا لا تُنسى.
(يقول جلال الدين الرومي: وحين تلتمس رفيق الطريق؛ فإياك أن تنظر إلى لونه أو لسانه بل ابحث عن نواياه فما يجمعك بمحبيك هو لغة الروح).

(وعيوني السود دايم سابقة موعدي)
كما يقول جلال الدين الرومي أيضًا: (النور الذي في العين ليس إلا أثرًا من نور القلب)
فانعكاس النوايا يظهر في العيون
فالعين مرآة القلب وجمال الصورة هنا في أن الشاعرة تُدرك أن عيونها قوتها، ودليل صدقها ونقاء نواياها.. صورة بالغة الانسجام والتجلي والوعي.

(الوِي يدين الزعل واحضن يدين العناق
واشرّع الوصل ما دام البساط احمدِي.!

ماني ضعيفة شعور.. ولا قوية فراق؛
طبعٍ ورثته .. وورّثته لقلب ولِدِي .!)

من أول القصيدة حتى آخرها رقة وسماحة ودعة..
قصيدة أنثوية متماسكة ومليئة بالجمال، مُنحت من خلالها الحياة ولونتها بريشة ساحرة، تفاعلت فيها الأفكار مع الرؤى، وخلقت استجابة حسية لدينا.

شاعرة تفوَّقت داخل النص.. فلا موت لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى