عامان كاملان قضتهما غزة في ظل حرب قاسية تم خلالها تدمير 90% من بنيتها التحتية وسقوط عشرات آلاف المباني والمدارس والجامعات والمدارس والمستشفيات ودور العبادة، وعشرات الآلاف من الشهداء والجرحى أكثر من نصفهم من النساء والأطفال، وعانى خلالها المواطنون الغزيون من الحصار والعطش والجوع والتشرد والمرض فيما فقد الآلاف أطرافهم حتى أصبحت غزة مدينة أطلال وأشباح فيما كان العالم الحر وغير الحر بحكوماته وبمؤسساته الدولية والإنسانية يراقب عن بعد دون أن يحرك ساكنًا، موجهًا التهم للمقاومة الفلسطينية ومحملينها المسؤولية بأنها السبب فيما لحق بالمواطنين الغزيين من مصائب وكوارث ومحن، ناسيين ومتناسيين مئات المذابح التي مارسها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني عبر مائة عام، وآخرها حروب غزة الأربعة التي أدت إلى إبادة عائلات غزية كاملة وشطبها من السجل المدني، وإلحاق التخريب والدمار في كافة مدن القطاع .
غنى عن القول أن إسرائيل هي من صنعت حماس، وكان دافعها الأساس أن تواجه حماس فتح وتشغلهما عن مواجهة إسرائيل من خلال زرع النزاع بينهما. ولم تكن إسرائيل غبية كي تدرك أنه في مرحلة لاحقة ستتحول حماس من مواجهة فتح إلى مواجهتها، وهو ما كانت تخطط له بالفعل ، حيث وجدت في حماس الذريعة لشن الحروب على مدن الضفة والقطاع كلما قامت حماس بعملية عسكرية ضد الاحتلال مهما كانت صغيرة. وكان هذا النهج هو الذي حافظت إسرائيل على تطبيقه في احتلالها للأراضي الفلسطينية، وهو التنصل من اتفاقاتها مع الفلسطينيين كلما قام أي فصيل فلسطيني بعملية مسلحة ضد إسرائيل، والقيام بعملية عسكرية كبرى ضد الفلسطينيين تستهدف الأبرياء. وفي غضون ذلك ظل عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية حوالى سبعة آلاف أسير، لم يكن العالم يتحدث عنهم وعن معاناتهم في السجون الإسرائيلية. ولعل من أبرز إيجابيات 7 أكتوبر أن العالم وقف على حقيقة إسرائيل كدولة إبادة جماعية، وكدول احتلال تمارس العدوان والتنكيل ضد شعب شبه أعزل ، وتمنع عنه مقومات الحياة وكأنها بهذه الممارسات تعيد أحداث الهولوكوست النازي ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية والذي أصبحت تمارسه الآن إسرائيل التي أصبحت تقوم بدور الجلاد بينما أصبح الشعب الفلسطيني يقوم بدور الضحية.
كان الشعب الفلسطيني وهو يترنح تحت شبح القصف والجوع والحصار يصرخ: أما آن لهذا العدوان الغاشم أن ينتهي ؟ أم آن لهذا النزيف الدموي أن يتوقف؟ آم أن لهذا الليل القاسي أن ينجلي؟… في الحقيقة كان هناك أصواتًا مرتفعة تعبر عن استنكارها عما يواجهه أهل غزة من عدوان همجي، وكانت المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية في مقدمة تلك الأصوات، والتي استطاعت ونجحت في إيصال هذه الأصوات إلى العالم كله من خلال جهودها السياسية والدبلوماسية والإعلامية والإنسانية ومن خلال المؤسسات الدولية والإقليمية المعنية، ومن خلال القمم والقرارات والمؤتمرات التي ظلت تعقدها طيلة العاميين الماضيين والتي تكللت بسلسلة الاعترافات الدولية بدولة فلسطين التي تصدرتها الدول الأوروبية، والتي لعبت المملكة العربية السعودية الدور الأكبر في تحقيقها، هي وغيرها من الجهود والتي كان آخرها عقد أعمال «المؤتمر الدولي رفيع المستوى لتسوية القضية الفلسطينية بالطرق السلمية برئاسة مشتركة سعودية – فرنسية”، وتنفيذ حل الدولتين.
ثم جاءت الجهود المصرية المساندة التي توجت بعقد مؤتمر شرم الشيخ للسلام بتوقيع اتفاق انتهاء حرب غزة الذي حضره أبرز قادة وزعماء العالم ليضع حدًا للمأساة الغزاوية. ويعتبر توقيع قادة أميركا ومصر وقطر وتركيا وثيقة اتفاق غزة في شرم الشيخ الاثنين 12 سبتمبر 2025 بأنه نهاية لتلك الحرب البشعة التي شنتها إسرائيل على مدى عامين على قطاع غزة، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ هذه المدينة التي ظلت ترفع لواء المقاومة والصمود ضد العدوان والاحتلال عبر التاريخ.
ستظل المملكة العربية السعودية ومصر ركيزتي السلام في منطقة الشرق الأوسط، وستظل الرياض والقاهرة تمثلان جناحي الأمن القومي العربي والدرع الواقي لتحقيق الاستقرار في المنطقة وخط الدفاع الأول عن قضايا الأمة.
0






