تصريح السفير الأمريكي هوكابي لدى إسرائيل الذي أدلى به في المقابلة التاريخية التي أجراها معه الصحفي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون ليس جديدًا، فمطالبته بأن تمتد حدود إسرائيل من النيل إلى الفرات مكتوب بالبونت العريض على مدخل الكنيست، وهو شعار توراتي يستند على الوعد الإلهي، وعلى أسطورة “الأرض الموعودة”، أو “أرض الميعاد”، لكن طرحه الآن في هذا التوقيت بالذات يطرح العديد من التساؤلات: هل حان الوقت لتنفيذ المخطط الصهيوني لتحويل منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة نفوذ استعماري صهيوني من خلال تجاوز القانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة والأعراف والمواثيق الدولية، والاعتماد فقط على التوراة كبديل للنظام الدولي والعمل على تنفيذ هذا المخطط الشرير من خلال الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل خاصة في ظل ما نلاحظه من مظاهر تدعو إلى الاستغراب مثل إيمان الإدارة الأمريكية والكونجرس وصناع السياسة الأمريكية المطلق بتغليب مصلحة إسرائيل على المصلحة الأمريكية واعتبارها أولوية في السياسة الخارجية الأمريكية.
تصريح السفير يشير فيه إلى عدة دول عربية تشكل إسرائيل الكبرى، مع ملاحظة أن تلك الدول لا تضم فلسطين على اعتبار أنها “أرض الميعاد”، أي دولة يهودية، واستنادا إلى ما يؤمن به اليهود بنفي وجود دولة اسمها فلسطين لا في الماضي ولا في الحاضر. وسنبدأ بتفنيد هذا الادعاء أولاً.
فهناك العديد من الحقائق التاريخية والوثائق التي لا تقبل الشك تؤكد أن فلسطين إحدى الدول التي تعد على الأصابع التي ظلت تحتفظ باسمها وعراقة شعبها عبر آلاف السنين. فإذا كان البعض يتبجح بأن كلمة أو اسم “إسرائيل” تكرر ذكره مرات عديدة في القرآن الكريم – بصرف النظر عن أن المعني بالاسم يعقوب وليس دولة إسرائيل – فإن اسم فلسطين ظهر عدة مرات صريحًا في الكتاب المقدس. كما ظهر في العديد من المخطوطات الفرعونية والأشورية والبابلية القديمة.
وأطلق اسم فلسطين على البلاد حين صك الإمبراطور فسباسيان هذا الاسم على نقوده التي أصدرها عقب قهر التمرد اليهودي سنة 60 م.، وبذلك أعطاها الصفة الرسمية ولأول مرة.
وقد أشار المؤرخ اليوناني هيرودتس إلى فلسطين باسمها هذا الصريح في القرن الخامس ق. م.
وظهر اسم فلسطين باسمها الصريح هذا في خريطة بطليموس في القرن الأول الميلادي.
وكانت دولة ظاهر العمرالتي ظهرت في القرن السابع عشر أول دولة فلسطينية بالمعنى الحديث لمفهوم الدولة.
أما في العصر الحديث، فقد أشارت عشرات، بل مئات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة بدءًا من قرار التقسيم عام 1947 إلى فلسطين بصريح العبارة.
وذكرت فلسطين في جوازات السفر زمن الانتداب البريطاني.
كما ظهرت على طوابع البريد منذ العام 1856، وعلى العملة الفلسطينية المتداولة، والوثائق الممهورة بأختام حكومة فلسطين قبل العام 1948، وظهرت صور العلم الفلسطيني المرفوع فوق العديد من المنشآت الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية.
وكانت جريدة “جيروزاليم بوست” تحمل قبل سنة 1948 اسم “فلسطين بوست”.
ويذكر أن فلسطين انضمت رسميًا للاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1929، وشاركت في تصفيات كأس العالم الذي أقيم في إيطاليا سنة 1934. كما شاركت في تصفيات كأس العالم عام 1938. وفي ضوء ذلك كله، كان المنتخب الوطني الفلسطيني لكرة القدم أول منتخب عربي آسيوي يشارك في تصفيات كأس العالم.
وفي شريط “فيديو” نشرته جريدة “اليوم السابع” المصرية في 18/12/2017 ، تعترف رئيسة وزراء إسرائيل السابقة جولدا مائير بأنها كانت تحمل الجنسية الفلسطينية وجواز السفر الفلسطيني منذ العام 1921 وحتى العام 1948.
ويذكر أن مطار قلنديا في فلسطين كان أقدم مطار في العالم العربي، وكان متوسط دخل الفرد الفلسطيني الأعلى بين الدول العربية (700 جنيه) عندما كان الجنيه الفلسطيني أقوى من الجنية الإسترليني.
وأما الدول العربية التي يخطط الصهاينة للسيطرة عليها ضمن ما يعرف بإسرائيل الكبرى، فيأتي على رأسها مصر التي تعتبر أول وأقدم من اضطهد اليهود منذ عصر سيدنا موسى، واشتهر البابليون بأنهم القوم الذين سبوا اليهود أيام نبوخذ نصر، ومعروف أن عمر بن الخطاب هو الخليفة الراشد الذي طرد اليهود من الجزيرة العربية، وذلك لأسباب لم تعد خافية، وهي نفس الأسباب التي دعت أوروبا إلى اضطهاد اليهود، وهو ما عبر عنه شيكسبير في مسرحيته (تاجر البندقية)ذلك الاضطهاد الذي وصل إلى ذروته في حملة أدريانوس على القدس عام 135م، ومحاكم التفتيش، ومذبحة كتشنيف، والهولوكوست النازي.
نعود إلى الوعد الإلهي الذي يستند عليه هوكابي وغيره من الصهاينة لنؤكد على أنه لم يعد قائمًا لعدة أسباب، فعدا على أنه يشمل ذرية سيدنا إبراهيم (إسماعيل وإسحاق)، إلا أنه لم يقم على الأبيد، وإلا لكانت إسرائيل تحكم فلسطين بلا انقطاع، كما أن الوعد كان مرهونا بمعادلة فقدت توازنها منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام لقوله تعالى : ” ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ – البقرة 40-. ومعروف أنهم لم يوفو بعهدهم ، إلى جانب قتلهم الأنبياء وعبادتهم العجل والآلهة الكنعانية عشيرة، وغير ذلك من عصيان أوامر الله.
ردود الفعل العربية الغاضبة والتي تصدرتها السعودية عبر بيان وزارة خارجيتها، تعكس موقفًا عربيًا موحدًا يرفض هذا الطرح الخبيث الذي يتناقض كلية مع مفهوم القانون الدولي وروح ميثاق الأمم المتحدة، ويؤكد على عدوانية إسرائيل ومخططها التوسعي الخبيث الذي يهدد أمن واستقرار المنطقة والشيء الوحيد الذي يحققه هو مزيد من العزلة لإسرائيل وإظهار المزيد من وجهها القبيح.
0






