المقالات

همزات الشيطان

لا يأتي الشيطان دائمًا في صورةٍ مخيفة، ولا يطرق الأبواب بعنف، بل كثيرًا ما يتسلّل بهدوء إلى المؤسّسات، يجلس قرب الملفات، ويتخفّى بين التواقيع والأختام، ثم يهمس؛ وقّع الأمر بسيط لن يلاحظ أحد. فمع تلك الهمسة يبدأ الفساد الإداري؛ فكرة صغيرة تبدو عابرة، لكنها تكبر حين تُمنَح السلطة لمن لا يستحقها، وعندما لا تُستخدم لخدمة الناس وتسيير مصالحهم، بل لتحقيق مكاسب شخصية تُفرّغ المنصب من معناه الحقيقي.
وحين تتحوّل المناصب إلى فرصٍ للكسب، يفقد القرار قيمته، وتُغلَق الأبواب في وجه الكفاءات، وتُفتَح لمن يملك النفوذ والوساطة، عندها تتعطّل التنمية ، ويتباطأ التطوير ، ليس لأن الوطن عاجز عن ضخّ المال أو يفتقر إلى الإمكانات، بل لأن الأمانة ضاعت بين المصالح،و المسؤولية استُبدلت بالمصلحة الشخصيّة .
حيث أن الفساد لا يهدم التنمية دفعةً واحدة، بل يقتلها بصمت؛ ولهذا يزرع الإحباط في نفوس الموظفين ، ويُضعف الثقة بين المواطن والمؤسّسة، ويحوّل الطموح إلى انتظار طويل، والعمل إلى عبء بلا أثر.
وسط هذا المشهد، تبقى النزاهة هي الصوت الواضح، والموقف الصادق، والضمير الحي الذي لا يقبل المساومة. النزاهة تكشف ما حاول الفساد إخفاءه، وتعيد الأمور إلى نصابها، وتؤكد أن السلطة تكليفٌ ثقيل لا امتياز عابر، وأن المنصب مسؤولية أمام الله ثم الوطن والمواطن .
وحين تدرك الدولة خطورة الفساد على حاضرها ومستقبلها، يرتفع صوت القانون ليؤكد أن المنصب أمانة لا حصانة، وأن النفوذ لا يحجب المحاسبة، وأن العدالة لا تُفرّق صغير ولا كبير. في ظل وجود مواطنٍ واعٍ يرى في البلاغ واجبًا وطنيًا ومسؤولية أخلاقية لا وشاية، تتكامل الجهود، وتتكاتف الأيدي، فتخفت همزات الفساد، وتستعيد العدالة حضورها، وتمضي عجلة التنمية بثباتٍ وثقة.
وفي هذا السياق ، تتخذ حكومة المملكة العربية السعودية موقفاً جادًا وحازمًا في محاربة الفساد، حيث جعلت من النزاهة ركيزة أساسية في مسيرة التنمية، ومن المحاسبة مبدأ لا يقبل الاستثناء. وقد أكدت القيادة الرشيدة، قولًا وعملًا، أن لا أحد فوق القانون، وأن حماية المال العام مسؤولية وطنية كبرى، تُمارس بشفافية وحزم.
وبهذه الإرادة الصادقة، والإجراءات الواضحة، ترسّخ المملكة نهجًا ثابتًا في مواجهة الفساد، وتعزّز ثقة المواطن بمؤسساته، وتفتح الطريق أمام تنمية مستدامة تُبنى على العدل، وتثمر خيرًا للوطن والمواطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى