أصبح من الضروريات تطوير آلية بروتوكولات مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات السعودية خطوة أساسية لتعزيز جودة البحث العلمي وترسيخ معايير النزاهة الأكاديمية. ولذلك فالمناقشة ليست مناسبة احتفالية وبوفيهًا مفتوحًا تُختتم فيها سنوات الدراسة بصورة بروتوكولية، يغلب عليها طابع المجاملات اكثر من تأصيل وتجويد الإنتاح العلمي بسبب ثقافة المناقشات للرسائل العلمية المستنسخة من بعض جامعات العربية وجرى العرف عليها . ففي حقيقة الأمر الموضوع أكبر من ذلك ، فهي فحص علمي أكاديمي يقيس عمق الفهم وأصالة الإسهام وقدرة الباحث/ة في الدفاع عن عمله بلغة علمية رصينة. ومن واقع تجربة خلال متابعتي لعدد من المناقشات، وكذلك وجهة نظر العديد من أعضاء هيئة التدريس، نرى بأن الحاجة أصبحت مُلحّة لإعادة النظر في بعض الممارسات التي قد تُضعف القيمة الفعلية للرسائل العلمية.
حيث نجد في كثير من الأحيان أن المقدمات المطوّلة وديباجة التعريف بالمناقشين بصورة مُبالغ فيها تطغى على جوهر الجلسة، بينما يُفترض أن يُوجَّه الوقت والجهد إلى مناقشة الأمور الجوهرية في الرسالة من حيث المنهجية وتحليل النتائج والإطار النظري من حيث النقدية الكافية والفجوة البحثية الواضحة. لا بأس بالثناء على جهود الباحث/ة في إخراج الرسالة بصورتها النهائية، وفي رأيي المتواضع إن التوازن بين الاحترام والصرامة هو ما يمنح المناقشة هيبتها الحقيقية ويُعيد لها دورها الحقيقي في فحص الأطروحة العلمية.
والجدير بالذكر إبراز إشكالية منح أغلب الرسائل العلمية تقدير «ممتاز مع مرتبة الشرف»، في حين أن بعض هذه الأطروحات العلمية تعاني ضعفًا وخللً واضحًا في تصميم المنهجية أو قصورًا في عرض الدراسات السابقة وغياب الجانب النقدي وعدم ظهور صوت الباحث، أو خللًا في التحليل الإحصائي أو النوعي، بل وأحيانًا غياب الإضافة العلمية، خصوصًا في أطروحات مرحلة الدكتوراه. إن منح جل الرسائل العلمية تقديرات مرتفعة قد يُفقدها جودتها بناءً على مستوى بعضها الضعيف في البناء والنقد، ويجعل التميّز أمرًا شكليًا لا يعكس وجود عمل أو إنتاج علمي رصين بحثيًا. ومن هذا المنطلق نجد أن إعادة النظر في معايير التقييم تُصبح ضرورة مُلحّة لا خيارًا.
ومن ناحية أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، لا يمكن إغفال أن جودة الرسالة تبدأ من الإشراف الأكاديمي المبني على خطة واضحة. فالمشرف أو المشرفة ليس دورهما إداريًا فحسب، بل هو دور علمي أكاديمي توجيهي يقوم على المتابعة الدقيقة لمدى تقدم الطالب أو الطالبة. ولهذا يُقترح أن تكون هناك خطة متابعة واضحة تمتد طيلة فترة الدراسة، تُوثَّق فيها جميع مراحل الإنجاز وفق خطة سنوية محددة، بحيث يُسجَّل ما تم إنجازه فعلًا مقارنة بما هو مُخطط له. إن وجود مثل هذه الخطة يُسهم في تقليل الأخطاء التراكمية، ويمنح الباحث مسارًا منظمًا يقيه التعثر في المراحل النهائية.
ولهذا من المهم تفعيل دور التقرير المُفصَّل من قبل المناقشين أو الممتحنين – إن جاز التعبير – في نهاية المناقشة، بحيث يتضمن ملاحظات دقيقة ومكتوبة حول جوانب القوة والقصور. كما يُفضَّل ألا تُعلن النتيجة النهائية التفصيلية في اللحظة ذاتها، بل يُكتفى بإبلاغ الباحث بالاجتياز، مع توضيح ما إذا كانت هناك تعديلات بسيطة أو تعديلات جوهرية تتطلب مدة زمنية محددة لإنجازها. أما في حال وجود خلل كبير في الرسالة، فلا يمنع أن يُمنح الباحث سنة كاملة للتعديلات مع إعادة المناقشة بعد ذلك. وهذا الإجراء لا يُعد انتقاصًا من حق الطالب أو الطالبة، بل هو تأكيد على أن الدرجة العلمية تُمنح لقاء عمل مُستحق ورصين.
إن ثقافة التعديل على الرسائل الأكاديمية يجب أن تُفهم بوصفها تحسينًا لجودة العمل لا انتقاصًا من صاحبه، لأن الهدف النهائي ليس تسريع منح الدرجة، وإنما إنتاج معرفة ذات قيمة علمية حقيقية يمكن الاستفادة منها والاستشهاد بها بثقة. فالبحث الذي يخضع لنقد بنّاء ومراجعة دقيقة يُصبح أكثر قيمة علمية ويُضيف معرفة جديدة في الإسهام الفعلي في التخصص.
وختامًا، نجد أنه كلما كانت المناقشة أكثر نزاهة وموضوعية وجرأة في الطرح الإيجابي ، زاد من قيمة الأطروحة علميًا، وتعزَّزت الثقة في مخرجات الدراسات العليا، وأصبح الإنتاج العلمي جديرًا بأن يُقرأ ويُستشهد به ويُبنى عليه. ومن هنا يمكن للجامعات أن تتبنى إطارًا تنظيميًا موحدًا يُعيد ضبط معايير التقييم، ويُلزم بتقارير تحكيم مكتوبة ومعلنة للباحث، مع تفعيل نظام متابعة مرحلي قبل وبعد المناقشة، بما يضمن أن تكون الدرجة العلمية انعكاسًا حقيقيًا لجودة البحث لا مجرد إجراء شكلي.


