في مشهد روائي بديع يجول بالقاريء بين عدد من المشاعر ومنها: الفخر والتعجب والحزن والفرح والضحك والتأمل كتب الأستاذ الدكتور/ معدي آل مذهب روايته اللطيفة والشفيفة ” بارود ” !
والحقيقة أن هذه الرواية بارودية الهوى ليست مجرد سردية عابرة بقدر ماهي توثيق محكم لشأن القرية الجنوبية في القرن المنصرم ! القرية آنذاك بوصفها كيانًا مجتمعيًا له قوانين وأعراف وعادات وسلوم يسير القروي وفق مقتضاها ويتماهى مع تشريعاتها رغبة أو رهبة لينخرط في ذلك النسيج الجغرافي الصغير بكامل إمكاناته المتاحة .
بعد الإنتهاء من قراءة بارود للمرة الثانية وقفت طويلًا عند التسمية التي بدت لي ذكية جدًا فالأحداث السردية تتنامى أحيانا بطريقة معينة لتصل لنقطة الانفجار ويكون بارود الانفجار شخصية أو أكثر وربما أدى حدث بعينه لانفجار مشابه يقتلع به الكاتب روح القاريء من مكان القراءة ليغمسها في وسط الحدث وحينها يصبح المتلقي جزءا من حبكة الرواية وهي حالة صعبة المنال لايتقنها إلا قلة من كتاب السرديات المعاصرة !
في رواية بارود خاصية متفردة كذلك وهي التناوب في لغة الكتابة فالقاريء يجد نفسه أحيانًا في حالة “مجلسيه” وأقصد بهذا أن الكاتب تمثل روح سادة مجلس القرية في أسلوبه الكتابي بحيث يشعر القاريء أحيانًا أنه بحضرة معرف القرية أو كبيرها أو أحد وجهائها وهو يتلو على ” ربعه ” شيئًا من الحكمة، أو يوجههم نحو فعل معين، أو يحدثهم بتاريخ مضى للأسلاف . الكاتب أيضًا يستخدم لغة الأمهات كماهي والأجداد وبسطاء القرية والوافدين اليها بطريقة مشوقة تجعل السرد قريب لهوى القرية الجنوبية ونفوس ساكنيها . هذه اللغة البسيطة والممتعة في ذات الوقت ماتلبث أن تتلاشى أمام لغة الأكاديمي الذي درس الإدارة العامة في أمريكا فقصص بارود ليست فقط قرية وبلاد ” مزارع” وبنادق ومجلس بل إن الكاتب وبذكاء ملفت ينقل القاريء إلى لغة سامية وهو يربط بين وقوفه في شرفة فندق بمدينة واشنطن دي سي ورؤيته لبناية ووترغيت ومن خلفها النصب التذكاري لواشنطن ليحيل كل هذا المشهد الحداثي إلى هدفه السردي الأهم وهما شخصيتي قريته الأوج بارود وسيف !
الصور البلاغية والمحسنات البديعية مع تمام المعاني والبيان حاضرة بقوة في رواية ” بارود “. فمن يقرأ بارود لابد أن يأتي بمتطلب سابق أسمه ” الربط ” بين الأحداث ثم بناء تصور معين عن قصدية الكاتب مأخوذا في الاعتبار أن الكاتب يميل بذكاء للتورية والاستعارة لجعل المتلقي في حالة تفاعل دائم مع النص وهو تصرف ذكي يضيف لحالة التشاركية بين الملقي والمتلقي لينتج العمل تفسيرات متعددة وجميلة تصلح للتدبر والتأمل وتكون كذلك موضعًا مناسبًا لفعل التفلسف المرتبط بالأداب وعلى رأسها الرواية السيرية autobiography fiction
يوم الإثنين مميز في حياة الكاتب ففيه ولد، ويضيف الكاتب أن أهل قريته يعتقدون أن من يلد في يوم الإثنين يصبح ذا رأي سديد ولعلي لم أتجاوز هذا المعتقد لدى الكاتب حينما قررت أن أكتب عن بارود يوم الإثنين ! وحينما يتحدث الكاتب عن نفسه يصبح خفيف الظل شفافًا جدًا ومشابها للغشاء الشفاف الذي أحيط به عند ولادته! يتحدث عن مؤذن القرية الذي كان يؤذن من نافذة منزله وبيده المايكرفون ونهر ولده أثناء الأذان فسمعه كل أهل القرية ! ويتحدث عن السيدة العجوز بيضاء البشرة التي كانوا أهل القرية يسمونها ” كهربة” ! ويتحدث عن ” عدة العذاب ” في ختان الأطفال وغيرها من المشاهد المضحكة مما يجعل القاريء منغمسًا في حالة ضحك منعش ينبثق من بين سطور عمل أدبي متقن ورصين !
من يقرأ رواية ” بارود ” فهو في واقع الأمر سيقف أمام شاهد تاريخي وأنثروبولوجي ملفت يصلح لأن يكون واحد من الأعمال التي توثق لتلك البقعة الجغرافية من الوطن الكبير ! من يقرأ بارود فإنه سيرى كثيرًا من الكفاح الذي لازم الكاتب وأسلافه رحمهم الله ! من يقرأ بارود فإنه سيستوعب جيدًا المقصود من كلمة الأصالة والتي تمثلت في عصامية الأباء وصبر النساء وبر الأبناء وتكاتف الجيران والأقرباء ! وأخيرًا فإن من يقرأ بارود فإنه سيهب نفسه شيئًا من روح الماضي وحب الماضي بكل مافيه وسيدرك تمام الإدراك ماقصده الأدبب الأمريكي دوريان عندما قال ” لكي تحب شيئا أو أحدًا فإنه لابد أن تهبه شيئًا من روحك ” ! وقد فعلها البروف معدي فوهبنا شيئًا من تلك الروح في رواية ” بارود ” !






