المقالات

مِنْ ذاكرةِ ثقافتِنا: سُنَنُ الكائناتِ وسُنَنُ أبي داودَ والتِّرمذيِّ وابْنِ ماجَه..!

رَحِمَ اللهُ الأستاذَ الجليلَ عبدَ الله عبد الجبَّار وغَفَرَ لهُ!
كانَ كِتابُهُ (التَّيَّارات الأدبيَّة الحديثة في قلْبِ الجزيرةِ العربيَّةِ) – ١٣٧٩هـ = ١٩٥٩م – كِتابًا رائدًا، لا شكَّ في ذلكَ، وكانَ عملًا ناضجًا فاخرًا، مهْما اعتوَرَهُ مِنْ نَقْصٍ وضعْفٍ.. أَلَّفَ عبد الجبَّار كِتابَهُ في مهجرِهِ في القاهرةِ، في زمنٍ كانتْ أقاويلُ السِّياسةِ تَحْمِلُ الكُتَّابَ علَى الأخذِ بها..
كَتَبَ الأستاذُ فُصُولًا مِنْ كِتابِهِ في قهوةِ “صَن سِت”، في مناخِ القهوةِ المصريَّةِ وما فيها مِنْ صَخَبٍ، وبينَ أصدقائِهِ مِنَ السُّعُوديِّينَ في مِصرَ، ولا أستبعدُ أنَّ شيئًا مِنَ التَّنكيتِ والسُّخْرِ البادي في كِتابِهِ – مَرَدُّهُ القهوةُ والأصدقاءُ..!
كَتَبَ عبدُ الجبَّار عن “الرَّقابةِ علَى الصُّحُفِ”، في دَوْرٍ مِنْ أدوارِ الصِّحافةِ في المملكةِ، وكانَ ما كَتَبَهُ مفيدًا لولا ما تَخَلَّلَهُ مِنَ السُّخْرِ والتَّفَكُّهِ، وكانَ يكتُبُ – أحيانًا – بقلمِ الأُدلوجةِ السِّياسيَّةِ لا بقلمِ البحثِ..
عَرَضَ عبدُ الجبَّارِ للرَّقابةِ التي فُرِضَتْ علَى الصُّحُفِ، وأدَّاهُ الحديثُ إلى حادثةٍ شهيرةٍ في صِحافتِنا سَبَّبَتْها جُملةُ “شاءتِ الطَّبيعةُ”! وقالَ، مِنْ بينِ ما قالَهُ: إنَّ المُحافظينَ يأبَوْنَ استعمالَ كلمةِ “الطَّبيعةِ” اسْمًا لمُقَرَّرِ “العُلُومِ” [الفيزياء والكيمياء]، وأنَّهُمُ اختاروا، بدلًا لهُ، اسْمَ “سُنَنَ الكائناتِ”! ثُمَّ مالَ بهِ طَبْعُهُ إلى السُّخْرِ فقالَ: “علَى نَمَطِ سُنَنِ أبي داودَ والتِّرمذيِّ وابْنِ ماجَه”!
غَفَرَ اللهُ للأستاذِ؛ فما الموضعُ موضعُ سُخْرٍ، ولَوِ استأْنَى لَعَرَفَ أنَّ عِبَارةَ “سُنَنِ الكائناتِ” ليستْ مِنْ كِيسِ مشايخِ الدِّينِ ورِجالاتِ التَّعليمِ عندَنا، ولا هي مِنْ مُبتدَعاتِ تعليمِنا، وإنَّما هي مِنْ مصطلحاتِ التَّعليمِ والتَّأليفِ في العُلُومِ الحديثةِ في مِصْرَ، حيثُ كانَ يعيشُ ويُحاضِرُ.
والْجَفَلُ مِنْ كلمةِ “الطَّبيعةِ” ليسَ بالأمرِ المُضْحِكِ؛ فقدِ اتَّخَذَها نَفَرٌ مِنَ العُلماءِ المختصِّينَ في العُلُومِ الحديثةِ مُصَوِّرةً لمعنًى إلحاديٍّ، تَعْمَلُ “الطَّبيعةُ” فيهِ علَى وَفْقِ إرادتِها، لا بمشيئةِ الخالِقِ – عَزَّ وجَلَّ – والْجَدَلُ في كلمةِ “طبيعة” ليسَ شأنًا خاصًّا بنا، إنَّما هو جَدَلٌ قديمٌ جِدًّا نلقَى تفاصيلَهُ والغَوْصَ في مَضَايِقِهِ في الكِتابِ الفَذِّ (قراءة داروين في الفِكْرِ العربيِّ ١٨٦٠-١٩٥٠) للدُّكتورة مروة الشَّاكريِّ.
بلْ إنَّ قارئَ الأدبِ، عساهُ يتذكَّرُ كلامًا عنْ هذهِ الكلمةِ، في كِتابِ العلَّامةِ الجليلِ أحمد أمين (حياتي)، يروي فيهِ طَرَفًا مِنْ ذكرياتِهِ، أيَّامَ الطَّلَبِ في “مدرسةِ القضاءِ الشَّرعيِّ”؛ تلكَ المدرسةِ التي أُريدَ لها أنْ تُعِدَّ طُلَّابَها ليُصْبحوا، بعدَ تَخَرُّجِهِمْ، قُضاةً شرعيِّينَ، يَثْقَفُونَ، إلى جانِبِ دراستِهِمُ الشَّرعيَّةِ، عُلُومَ العصْرِ ولا يتنكَّرونَ لها أوْ يتَّقُونَها؛ كالقانونِ الحديثِ، ونُظُمِ القضاءِ، والإدارةِ، والجغرافيةِ، والتَّاريخِ، والطَّبيعةِ، والكيمياءِ، والحِسابِ، والْجَبْرِ، والهندسةِ.
لكنَّ القائمينَ علَى “مدرسةِ القضاءِ الشَّرعيِّ” يَخْشَوْنَ غَضْبَةَ الأزهريِّينَ إذا هُمُ
سَمَّوُا “الطَّبيعةَ” باسْمِها، وكيفَ يَرْضَوْنَ الاسْمَ، وهُمْ يحفظونَ بيتًا مشهورًا، هو:
وَمَن يَقُلْ بِالطَّبْعِ أَوْ بِالْعِلَّهْ
فَذَاكَ كُفْرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمِلَّهْ!
فلمَّا غَمَّهُمْ ما يَعْرِفونَهُ مِنْ أمرِ الأزهرِ والأزهريِّينَ، احتالُوا لمُقَرَّرَيِ “الطَّبيعةِ” و”الكيمياءِ”، فجاءُوا بهذا الاسْمِ الطَّويلِ العريضِ: “الْخَوَاصّ التي أَوْدَعَها اللهُ تعالَى في الأجسامِ”!
حتَّى إذا تَقَدَّمَ بنا الزَّمانُ، وخَفَّ ما تَعَلَّقَ بكلمةِ “الطَّبيعةِ” مِنْ حُمُولاتٍ = سَكَتَ القومُ عنْ تجريمِها وتأثيمِها، فلمَّا سَكَّ العلَّامةُ السُّوريُّ الجليلُ عِزُّ الدِّينِ التَّنوخيُّ مِنْ كلمةِ “فيزيكَ” الأعجميَّةِ = كلمةَ “فِيزياء” – حَمْلًا لها علَى “كيمياء” – امَّحَى كُلُّ ما عَلِقَ بها مِنْ سُوءٍ، وارتضَتْها الخاصَّةُ والعامَّةُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى