المقالات

الإبداع يولد من الألم… أم من الحرية؟

نزعم دائمًا أن وجود الألم أو المعاناة شرطٌ أساسي لظهور الإبداع والمبدعين، وأن المعاناة تولِّد الإصرار للوصول إلى الأهداف. لكن هل الألم فعلًا ضرورة لخلق المزيد من المبدعين؟

وماذا عن الإبداع الذي ينشأ من الثقة، ومن ظروف تمنح استقلالية في التفكير وهدوءًا داخليًا يسمح للخيال بأن يعمل بحرية؟

لا يمكن إهمال دور المحرك العاطفي؛ من غضب، أو رثاء، أو شعور بالظلم، فهذه المشاعر قد تولِّد طاقة متفجرة تسخّر الإنسان ليقدّم أفضل ما لديه.

وبعيدًا عن الجانب النفسي، فإن الإبداع في جوهره هو قدرة الشخص على التنقّل بين أنماط تفكير مختلفة، مدفوعًا بحب الفضول والاستكشاف، مع وجود معرفة متراكمة نشأت من كثرة التعرّض للموضوع ذاته مرارًا حتى تتكوّن الخلفية المعرفية للفرد.

ونحتاج كذلك إلى بيئة مساعدة غير مقيِّدة للتفكير، وغير خاضعة للسلطة الفكرية، تمنح الإنسان مساحة يسبح فيها في فضاء الاحتمالات.

وقد يكون هذا الشخص هو الطالب كثير الأسئلة، الذي يُوصَف أحيانًا بالمزعج، لأن كثرة الفضول تجعله لا يكتفي بالمعطى الظاهر، بل يبحث عمّا وراءه.

كما أن غياب القلق — قلق الوقت، وقلق النقد، وقلق الخطأ — يساعد كثيرًا على الإبداع؛ فالمهام المؤقتة ذات المواعيد الضيقة ليست بيئة خصبة له.

وحين يكون الامتثال هو الغاية، فلا حاجة ولا مجال للإبداع، بل يصبح من الذكاء تنفيذ الأوامر فورًا وإنهاء المشروع في أقصر وقت، بدل توظيف الإبداع في غير موضعه.

علميًا، قد يصعب قياس الإبداع بمقياس واحد محدد، على الرغم من وجود تقنيات مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) التي تساعد على دراسته لأغراض بحثية. غير أن الأسهل والأكثر قابلية للتطبيق هي الاختبارات الشخصية التي تقيس المرونة المعرفية، وأصالة التفكير، والقدرة على التفكير خارج الصندوق.

ومن الجميل أن نضيف أن دماغ المبدع ينشط في حالات: أحلام اليقظة، والخيال، واستدعاء الذكريات، ثم ينتقل إلى مرحلة أخرى هي مرحلة التنفيذ، حيث تُحلَّل هذه الخيالات والأفكار، وتُنظَّم، وتُقيَّم، ويُختار القابل منها للتطبيق.

ولكي يتم الانتقال من الخيال إلى التطبيق، توجد شبكة عصبية تربط بين الخيال والتحليل، لتختار أيَّ الأفكار يستدعي الانتباه والمتابعة.

ومن وجهة نظر المعلم الجامعي، أجد أننا إذا انتقلنا من المنهج التلقيني إلى المساحات المرنة، والأسئلة المفتوحة، والمشكلات الواقعية، فإننا نشغّل تلك الأجزاء في أدمغة أبنائنا بصورة أوضح وأكثر فاعلية، مما يساعدنا على اكتشاف المبدعين في مراحل مبكرة.

فالقدرة الإبداعية، إن لم يتم احتضانها مبكرًا، قد تُهدر وتضيع بسبب التلقين والإهمال.

وما أتمناه حقًا في طرق التعليم والتعلّم الجامعي على وجه الخصوص، أن يكون التعليم مدفوعًا بالفضول، لا بالخوف من الدرجات والتقييم، ولو في بعض المقررات التي تتحمّل هذا النوع من الأسلوب.

وهنا يتجدد دور المعلم ليصبح: ميسّرًا، ومحفزًا، ومكتشفًا للطاقات. وعلى المدى البعيد، يمكننا أن نرى جيلًا إذا تم التعامل معه بهذه الطريقة يصبح جيلًا مبتكرًا، صانعًا للحلول، أي قادة تفكير لا منفذي أوامر.

فالمبدع، طالبًا كان أو موظفًا، في بيئة تقليدية، إمّا أن ينطفئ أو يهاجر فكريًا (داخليًا أو خارجيًا).

لذلك فإن رعاية الإبداع نوع من الاستثمار في الذات البشرية، واختلاف المبدعين عن غيرهم ميزة وإضافة، وكثرة تساؤلاتهم ليست إزعاجًا، بل طريقًا إلى المعرفة.

ولعلنا إذا التفتنا أكثر إلى هذا الموضوع في تعليمنا ومع طلابنا، خلقنا جيلًا قادرًا على التفكير بحرية، وقادرًا على الابتكار، وقيادة المستقبل بوعي ومسؤولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى