المقالات

مات فلان فاستراح

شاهدتُ مقطعًا متداولًا يذكر فيه أحد الإخوة، أنه لا يجوز القول عن من تعذّب في الدنيا بمرض أو ابتلاء ثم مات: (مات واستراح)، واستدل على ذلك بحديث أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عندما أخبرت النبي ﷺ أن فلانة ماتت واستراحت، فرد عليها:
«إنما يستريح من غُفر له» (صححه الألباني).

واسترسل أخينا بالقول: طالما لم يشهد النبي ﷺ لأحد من الناس بعينه بالجنة – كما شهد لبعض الصحابة رضي الله عنهم – فلا يجوز الحكم عليه بأنه استراح، ولكن من مات على التوحيد فإننا نرجو للمحسن الجنة، ونخاف على المسيء من النار.
وعليه، فإن من مات من المسلمين وعليه ذنوب وآثام لم يتب منها، فنخشى عليه من العذاب، غير أن الأمر موكول إلى الله عز وجل: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فلا يستريح الموحد إلا إذا دخل الجنة. انتهى كلامه.

غير أن الأخ الفاضل – حفظه الله – لم يذكر الأحاديث الصحيحة التي دلت على أن المؤمن يستريح من عناء الدنيا إذا لقي الله، ومنها الحديث المتفق على صحته أن جنازة مرت على رسول الله ﷺ فقال:
«مستريح ومستراح منه»، قالوا: وما المستريح والمستراح منه يا رسول الله؟ قال:
«العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب».

كما لم يذكر الحديث الذي رواه الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ: «وجبت»، ثم مرّوا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا فقال: «وجبت».
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟
قال ﷺ: «هذه أثنيتم عليها خيرًا فوجبت لها الجنة، وهذه أثنيتم عليها شرًّا فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض».

وكذلك الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة».
فهذه شهادة ليست لشخص بعينه، وإنما لمن ختم له بالتوحيد عند موته.

ومع العلم أن هناك أحاديث وردت في مصير المؤمن عند موته تحتاج إلى عالم متمرس في فقه الكتاب والسنة والناسخ والمنسوخ لرفع ما قد يظهر من إشكال بينها، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أم العلاء رضي الله عنها قالت:
لما توفي عثمان بن مظعون وكُفِّن في أثوابه، دخل رسول الله ﷺ فقالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال ﷺ:
«وما يدريك؟»
قلت: لا أدري والله، فقال:
«أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير من الله، والله ما أدري – وأنا رسول الله – ما يُفعل بي ولا بكم».
قالت أم العلاء: فوالله لا أزكي أحدًا بعده. ثم رأت له في المنام عينًا تجري، فأخبرت النبي ﷺ فقال:
«ذاك عمله يجري له».

وما يُتداول بين بعض الناس من القول عن الذي مات بعد معاناة طويلة مع المرض والابتلاء إنه “استراح”، يمكن فهمه على وجهين:

الوجه الأول:
أن يُقصد به أنه انتقل من العذاب إلى الرحمة والطمأنينة في الآخرة، وهذا أمر لا يعلمه إلا الله وحده.

الوجه الثاني:
أنه استراح من عذاب الدنيا وزال عنه الألم والمرض، دون الجزم بمصيره في الآخرة.

وعليه فإن قولهم: (مات واستراح) من الأقوال التي تحتمل النيات، فلا يُنكر على قائلها، ولا يُحمل كلامه على أسوأ المحامل، ولا يجوز الدخول في مقاصده، لأننا لا نعلم ماذا يقصد.

فالاعتراض الحقيقي هو على الحكم على نيات الناس، والقول إنهم يقصدون الراحة من عذاب الدنيا والآخرة معًا، بينما الأغلب أنهم يقصدون الراحة من ألم الدنيا الذي شاهدوه بأعينهم، لا من عذاب الآخرة الذي لا يعلمه إلا الله.

ومما يُستفاد من ذلك أن على الإنسان أن يكون حذرًا أولًا في الحكم على نيات الناس، وثانيًا في تصنيف مصائرهم في الدنيا والآخرة. فهذا الذي قيل عنه إنه مات وعليه ذنوب ولم يتب، هل كنا ملازمين له في كل حركاته وسكناته؟ وهل نعلم ما وقع منه في آخر لحظاته من توبة واستغفار؟

وقد قال رسول الله ﷺ:
«إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»،
وقال أيضًا:
«وأتبع السيئة الحسنة تمحها».

وعليه، فإن الخشية على مصير العباد لا تقدم ولا تؤخر في حكم الله فيهم، فالأولى أن نحسن الظن، وأن نتوجه إلى الله الغفور الرحيم بالدعاء للميت بالمغفرة والرحمة، وأن يتقبل صبره على المرض والابتلاء، ويبدل سيئاته حسنات، فإن الله هو مالك يوم الدين، ورحمته سبقت غضبه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أ.د. حسني بن أحمد مؤذن

أستاذ متقاعد من جامعة ام القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى