المقالات

من الدرعية إلى الرؤية… مسار السيادة

هذه أرض تشكّل وعيها قبل أن تتشكل حدودها. دعوة إبراهيم عليه السلام بالأمن منحتها قدر الاستقرار، ورسالة محمد ﷺ منحتها قدر الهداية، واحتضان الحرمين الشريفين حمّلها أمانة ممتدة تجاه العالم الإسلامي. من تلاقي الدعوة والرسالة والمقدس تولّد وعي سياسي يرى في حماية الأرض حماية للمعنى، وفي إدارة الاستقرار خدمة للإنسان.

عام 1727 مثّل اكتمال إدراك سياسي في الدرعية، حيث نشأ مركز قرار أعاد تنظيم الاجتماع المحلي ضمن كيان واحد، وربط الهوية بالسلطة، وجعل الاستقرار قاعدة للحكم. منذ تلك اللحظة بدأ تصميم دولة يدير القوة بانضباط، ويحوّل الولاء إلى عقد عام، ويمنح المجتمع إطارًا آمنًا للإنتاج والعمل.

تراكم البناء عبر المراحل حتى اكتمل توحيد البلاد، فترسخت وحدة الجغرافيا والسوق والإدارة. هذا الاتساق صنع بيئة قادرة على التخطيط طويل المدى، وعلى تحويل الموارد إلى قدرة، والقدرة إلى تأثير. الثقة التي أنتجها الاستقرار أصبحت أساس الاستثمار، والاستثمار عمّق النمو، والنمو عزز حضور الدولة في محيطها.

في المرحلة المعاصرة اتسع هذا التصميم عبر رؤية السعودية 2030، التي أعادت صياغة الأولويات حول الكفاءة والاستدامة وتمكين الإنسان. ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية، توسعت الاستثمارات السيادية، تعمّق المحتوى المحلي، وارتبطت التنمية بجودة الحياة. التعليم والتقنية والطاقة المتجددة أصبحت ركائز في اقتصاد متنوع قادر على تمويل طموحه. السيادة تحولت إلى ممارسة يومية في الإدارة والاقتصاد والسياسة.

هذا البناء الداخلي انعكس على الدور الإقليمي. مساهمات المملكة في سوريا دعمت إعادة تأهيل الخدمات وتعافي المجتمعات. جهودها في السودان عززت مسارات التهدئة والاستقرار. شراكاتها الاستثمارية مع مصر عمّقت التكامل الاقتصادي ووسعت سلاسل القيمة المشتركة. في كل ذلك يظهر تصور استراتيجي يرى أن أمن الداخل يرتبط بتوازن المحيط، وأن ازدهار الإقليم يعزز الاستقرار الوطني.

القيادة السعودية تجمع بين خدمة الإنسان والانضباط المؤسسي والطموح الوطني. خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يرسخ مركزية المواطن في فلسفة الحكم، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يقود تحولًا يرتكز على الإنجاز والكفاءة والوضوح في الاتجاه. بين الجذور العميقة والرؤية المستقبلية يتشكل نموذج دولة يعرف مساره ويطوره بثبات.

شعار هذا العام، “من يوم بدينا”، يعبر عن خط متصل لم ينقطع؛ بداية تحولت إلى مسار، ومسار تطور إلى رؤية، ورؤية ترسم ملامح المستقبل بثقة. ما بدأ في الدرعية استمر عبر القرون، وتجدد في مشروع التحول الوطني، وتبلور في دولة تدير حاضرها وتبني غدها في خط واحد متصل.

هكذا يتضح أن التاريخ والتحول والتنمية ليست مراحل متفرقة، بل سياقًا متكاملًا يمتد عبر الزمن ويجسد، في صورته الناضجة، من الدرعية إلى الرؤية… مسار السيادة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى